Khulasah Sirah Sayyid al-Bashar

Posted on: 23 April 2019

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

خلاصة سيرة سيد البشر

للإمام العلامة محب الدين الطبري

[المُقَدِّمَةُ]

الْحَمْدُ للهِ عَلَى نَوَالِهِ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى وَاسِعِ إِفْضَالِهِ، وَأَفْضَلُ صَلَوَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.

وَبَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ فِيهِ ذِكْرُ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِيلَادِهِ، وَنُبَذٍ مِنْ غَزَوَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَحَجِّهِ وَعُمْرَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَبَعْضِ مَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ، وَمُعْجِزَاتِهِ؛ وَذِكْرُ أَزْوَاجِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ، وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ؛ وَذِكْرُ خَدَمِهِ، وَخَيْلِهِ، وَنَعَمِهِ، وَسِلَاحِهِ، وَأَثَاثِهِ، وَثِيَابِهِ، وَوَفَاتِهِ ﷺ.

جَمَعْتُهُ عُقْلَةَ عَجْلَانَ، وَعَقِيلَةَ أَصْلٍ وَأَفْنَانٍ، مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مُؤَلَّفًا، مَا بَيْنَ كَبِيرٍ انْتَخَبْتُهُ، وَصَغِيرٍ اخْتَصَرْتُهُ، وَسَمَّيْتُهُ بِـ«خُلَاصَةِ سِيَرِ سَيِّدِ الْبَشَرِ ﷺ»، وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ فَصْلًا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي نَسَبِهِ ﷺ

هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ مُقَوِّمِ بْنِ نَاحُورِ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ بْنِ آزَرَ بْنِ نَاحُورَا بْنِ سَارُوحَ بْنِ رَاغُوَا بْنِ فَالَخَ بْنِ عَيْبَرَ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ -وَهُوَ إِدْرِيسُ أَوَّلُ بَنِي آدَمَ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ، وَخَطَّ بِالْقَلَمِ- ابْنِ يَرْدَ بْنِ مِهْلَيْلِ بْنِ قَيْنَنَ بْنِ يَانُشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَالنَّسَبُ إِلَى عَدْنَانَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَمَا بَعْدَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَرْجِعُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ تَعَالَى.

وَقُرَيْشٌ هُمْ أَوْلَادُ النَّضْرِ، وَقِيلَ: أولادُ فِهْرٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ.

[أُمُّهُ ﷺ]

وَأُمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ: آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ [بْنِ عَبْدِ مَنَافِ] بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ.

[إِيمَانُ أُمِّهِ بِهِ ﷺ]

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا آمَنَتْ به بَعْدَ مَوْتِهَا. أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الصَّالِحُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُقَيَّرِ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِالمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَا أَسْمَعُ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِئَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ إِجَازَةً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْحَافِظُ الزَّاهِدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَخْضَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ الْحَجُونَ كَئِيبًا حَزِينًا، فَأَقَامَ بِهِ مَا شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ رَجَعَ مَسْرُورًا، وَقَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- فَأَحْيَا لِي أُمِّي، فَآمَنَتْ بِي، ثُمَّ رَدَّهَا».

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي ذِكْرِ مِيلَادِهِ ﷺ

[تَارِيخُ مِيلَادِهِ ﷺ]

وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفِيلِ -وَقِيلَ: بَعْدَهُ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ- فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ. وَقِيلَ: لِثَمَانٍ. وَصَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ: لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ غَيْرَهُ، وَقِيلَ: لِاثْنَيْنِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ. وَقِيلَ: وُلِدَ فِي رَمَضَانَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، عِنْدَ الْحُجْرَةِ الْوُسْطَى.

[ذِكْرُ بَعْضِ المُعْجِزَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لَيْلَةَ مِيلَادِهِ ﷺ]

وَلَيْلَةَ مِيلَادِهِ ﷺ ارْتَجَسَ إِيوَانُ كِسْرَى، وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ، وَلَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ؛ وَأَفْزَعَ ذَلِكَ كِسْرَى.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ذِكْرُ نُبَذٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ

وَلمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي حِجْرِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

[مُرْضِعُ النَّبِيِّ ﷺ حَلِيمَةُ]

فَاسْتَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ. فَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي أَقْبَلَ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ اللهُ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَنَامَا وَمَا كَانَ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ فِي ثَدْيَيَّ مَا يُرْوِيهِ، وَلَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَقَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا بِهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. وَلمَّا رَجَعْتُ -تَعْنِي إِلَى بَلَدِهَا- رَكِبْتُ أَتَانِي وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا، فَوَاللهِ لَقَطَعَتْ بِالرَّكْبِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهِمْ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ لِي: وَيْحَكِ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ! ارْبَعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي كُنْتِ خَرَجْتِ عَلَيْهَا؟! فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاللهِ إِنَّهَا لَهِيَ. فَيَقُلْنَ: وَاللهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا! وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِمْ ضَعْفُهَا وَعَجْزُهَا وَعَجَفُهَا. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا مَنَازِلَنَا وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، وَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيَّ حِينِ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا، فَنَحْلِبُ مِنْهَا وَنَشْرَبُ وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ مِنْ قَوْمِنَا قَطْرَةَ لَبَنٍ وَمَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ، حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ! اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ!

[قِصَّةُ شَقِّ بَطْنِ النَّبِيِّ ﷺ]

فَلَمَّا شَبَّ وَبَلَغَ سَنَتَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ وَأَخُوهُ فِي بَهْمٍ لَنَا إِذْ جَاءَ أَخُوهُ يَشْتَدُّ فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ، قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ! قَالَتْ: فَخَرَجْنَا نَحْوَهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعًا وَجْهُهُ، قَالَتْ: فَالْتَزَمْنَاهُ وَقُلْنَا: مَا لَكَ؟! قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي، فَشَقَّا بَطْنِي، فَالْتَمَسَا فِيهِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ إِلَى خِبَائِنَا، فَقَالَ أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِهِ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ: مَا أَقْدَمَكِ يَا ظِئْرُ وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ؟! وَلَمْ تَزَلْ بِهَا حَتَّى أَخْبَرَتْهَا خَبَرَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: أَيْ حَلِيمَةُ، أَفَزِعْتِ عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ كَلَّا وَاللهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّ لِبُنَيَّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ حَمَلْتُ بِهِ فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكِ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.

وَأَرْضَعَتْهُ أَيْضًا ثُوَيْبَةُ جَارِيَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَأَرْضَعَتْ مَعَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَا سَلَمَةَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ المَخْزُومِيَّ، بِلَبَنِ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ.

[حَضَانَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَحَضَنَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ الْحَبَشِيَّةُ حَتَّى كَبِرَ، فَأَعْتَقَهَا ، وَزَوَّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ. وَكَانَ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ.

[مَوْتُ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَمَاتَ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ بِيَثْرِبَ؛ لَأَنَّهُ كَانَ لمَّا تَزَوَّجَ آمِنَةَ، وَحَمَلَتْ به ﷺ؛ بَعَثَ بِهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ إِلَى المَدِينَةِ يَمْتَارُ تَمْرًا، فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ. وَقِيلَ: مَاتَ أَبُوهُ وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا. وَقِيلَ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: شَهْرَانِ.

فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ -وَقِيلَ: أَرْبَعًا- مَاتَتْ أُمُّهُ، فَيُتِّمَ فِي حِجْرِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

[مَاتَ جَدُّهُ ﷺ، فَوَلِيَهُ عَمُّهُ]

فَلَمَّا بَلَغَ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ تُوُفِّيَ عَبْدُ المُطَّلِبِ، فَوَلِيَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللهِ لِأَبَوَيْهِ.

[خُلُقُ النَّبِيِّ ﷺ مُنْذُ الصِّغَرِ]

وَمَنَحَهُ اللهُ كُلَّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بَيْنَ قَوْمِهِ إِلَّا بِالْأَمِينِ.

[خُرُوجُهُ ﷺ مَعَ عَمِّهِ إِلَى الشَّامِ]

فَلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ بُصْرَى رَآهُ بَحِيرَى الرَّاهِبُ، فَعَرَفَهُ بِصِفَتِهِ؛ فَجَاءَ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَقْبَلْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنَّا نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا.

وَسَأَلَ أَبَا طَالِبٍ عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ ابْنُ أَخِي. فَقَالَ: أَشَفِيقٌ عَلَيْهِ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَاللهِ لَئِنْ قَدِمْتَ بِهِ الشَّامَ لَتَقْتُلَنَّهُ الْيَهُودُ. فَرَدُّوهُ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْهُمْ.

[خُرُوجُهُ ﷺ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا]

ثُمَّ خَرَجَ ﷺ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى الشَّامِ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلَامِ خَدِيجَةَ فِي تِجَارَةٍ لَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ نَزَلَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ. فَقَالَ: مَا نَزَلَ تَحْتَ ظِلِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ إِلَّا نَبِيٌّ.

[بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ ﷺ]

ثُمَّ بَاعَ ﷺ سِلْعَتَهُ، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إِلَى مَكَّةَ، فَقِيلَ: إِنَّ مَيْسَرَةَ قَالَ: كَانَ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ نَزَلَ مَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ.

فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ؛ بَاعَتْ خَدِيجَةُ مَا جَاءَ بِهِ، فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا.

[سَبَبُ زَوَاجِهِ ﷺ بِخَدِيجَةَ]

وَأَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِقَوْلِ الرَّاهِبِ، وَبِإِظْلَالِ المَلَكَيْنِ لَهُ.

[زَوَاجُهُ ﷺ بِخَدِيجَةَ]

فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-: يَابْنَ الْعَمِّ، إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ؛ لِقَرَابَتِكَ مِنِّي، وَشَرَفِكَ فِي قَوْمِكَ، وَسِطَتِكَ فِيهِمْ، وَأَمَانَتِكَ عِنْدَهُمْ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ، وَصِدْقِ حَدِيثِكَ. ثُمَّ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حَازِمَةً لَبِيبَةً شَرِيفَةً، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَوْسَطِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمِهِمْ شَرَفًا، وَأَكْثَرِهِمْ مَالًا، وَكُلٌّ مِنْ قَوْمِهَا قَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ ذَكَرَهُ لِأَعْمَامِهِ، فَخَرَجَ مَعَهُ مِنْهُمْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ، فَقَبِلَ.

[خُطْبَةُ أَبِي طَالِبٍ]

وَحَضَرَ أَبُو طَالِبٍ وَرُؤَسَاءُ مُضَرَ، وَخَطَبَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَزَرْعِ إِسْمَاعِيلَ، وَضِئْضِئِ مَعَدٍّ، وَعُنْصُرِ مُضَرَ، وَجَعَلَنَا حَضَنَةَ بَيْتِهِ، وَسُوَّاسَ حَرَمِهِ، وَجَعَلَ لَنَا بَيْتًا مَحْجُوجًا، وَحَرَمًا آمِنًا، وَجَعَلَنَا الْحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ.

ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ لَا يُوزَنُ بِهِ رَجُلٌ إِلَّا رَجَحَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ قِلٌّ فَإِنَّ المَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَأَمْرٌ حَائِلٌ، وَمُحَمَّدٌ مَنْ قَدْ عَرَفْتُمْ قَرَابَتَهُ؛ وَقَدْ خَطَبَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَبَذَلَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ مَا آجِلُهُ وَعَاجِلُهُ مِنْ مَالِي كَذَا، وَهُوَ وَاللهِ بَعْدَ هَذَا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وَخَطْبٌ جَلِيلٌ.

[سِنُّهُمَا حِينَ تَزَوَّجَا]

فَتَزَوَّجَهَا وَقَدْ بَلَغَ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.

[الصَّدَاقُ الَّذِي أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةَ]

وَرُوِيَ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَبَقِيَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ الْوَحْيِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَعْدَهُ إِلَى مَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ.

[بَعْضُ مَنَاقِبِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

فَمَاتَتْ وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ.

رُوِيَ أَنَّ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: (إِنِّي لَسَيِّدُ الْبَشَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا رَجُلًا مِنْ ذُرِّيَّتِي فُضِّلَ عَلَيَّ بِاثْنَتَيْنِ: كَانَتْ زَوْجَتُهُ عَوْنًا لَهُ، وَكَانَتْ زَوْجَتِي عَوْنًا عَلَيَّ، وَأَعَانَهُ اللهُ عَلَى شَيْطَانِهِ فَأَسْلَمَ، وَكَفَرَ شَيْطَانِي).

وَرُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الْغِلْمَانِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

وَقَالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ».

وَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَقْرِئْ خَدِيجَةَ مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ. فَقَالَ ﷺ: «يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ مِنْ رَبِّكِ السَّلَامِ». فَقَالَتْ: اللهُ السَّلَامُ، وَمِنْهُ السَّلَامُ، عَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ.

[شُهُودُهُ ﷺ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ]

وَلمَّا بَلَغَ ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً؛ شَهِدَ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ، وَتَرَاضَتْ قُرَيْشٌ بِحُكْمِهِ فِيهَا.

[بَدْءُ الْوَحْيِ بِغَارِ حِرَاءَ]

فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَيَوْمًا؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِغَارِ حِرَاءَ -جَبَلٍ بِمَكَّةَ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ-، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ ﷺ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ: «أَيْ خَدِيجَةُ»، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَقَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَبْشِرْ؛ فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ أَبَدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.

[قِصَّةُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ]

وَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ امْرَءًا قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ وَرَقَةُ: يَابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ.

[فُتُورُ الْوَحْيِ، وَقَوْلُ جِبْرِيلَ: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا]

وَفَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنَا-، فَغَدَا مِنْ أَهْلِهِ مِرَارًا لِكَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ جِبَالِ الْحَرَمِ، فَكُلَّمَا رَقِيَ ذِرْوَةَ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَيُسَكِّنُ ذَلِكَ جَأْشَهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَإِذَا طَالَ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَيَتَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.

وَلمَّا أَتَمَّ اللهُ أَمْرَ نُبُوَّتِهِ؛ انْصَرَفَ ﷺ لَا يَأْتِي عَلَى حَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ بِمَكَّةَ لَحَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ».

[تَارِيخُ نُبُوَّتِهِ ﷺ]

وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللهِ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، فَشَنِفَ الْقَوْمُ لَهُ حَتَّى حَاصَرُوهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِالشِّعْبِ.

[حِصَارُهُ فِي الشِّعْبِ]

وَخَرَجَ مِنَ الْحِصَارِ وَلَهُ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.

[تَارِيخُ مَوْتِ مُحِبَّيْهِ ﷺ: أَبِي طَالِبٍ، وَخَدِيجَةَ]

وَبَعْدَ ذَلِكَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَكَانَ مَوْتُ خَدِيجَةَ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

[إِسْلَامُ جِنِّ نَصِيبِينَ]

وَلمَّا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ قَدِمَ عَلَيْهِ جِنُّ نَصِيبِينَ، فَأَسْلَمُوا.

[الْإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ]

فَلَمَّا أَتَتْ عَلَيْهِ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ؛ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بِيْنِ زَمْزَمَ وَالمَقَامِ إِلَى الْبَيْتِ المُقَدَّسِ، وَشُرِحَ صَدْرُهُ، وَاسْتُخْرِجَ قَلْبُهُ فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبَهُ وَعُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَخْبَرَ ﷺ: أَنَّهُ لَقِيَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ابْنَيِ الْخَالَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، وَفِي السَّادِسَةِ مُوسَى، وَفِي السَّابِعَةِ إِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ المَعْمُورِ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.

[تَارِيخُ هِجْرَتِهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ]

فَلَمَّا بَلَغَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُخُولُهُ المَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

[مُدَّةُ إِقَامَتِهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ]

وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.

[عَرْضُهُ ﷺ الْإِسْلَامَ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَأَنْصَارُهُ]

وَكَانَ يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمَجَنَّةَ وَفِي المَوَاسِمِ، يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟». فَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَ اللهُ لَهُ الْأَنْصَارَ فَآمَنُوا بِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُسْلِمُ ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ.

[مُدَّةُ صَلَاتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى بَيْتِ المَقْدِسِ]

وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ بَلْ يَجْعَلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَصَلَّى بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ.

[قِصَّةُ هِجْرَتِهِ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ]

وَلمَّا هَاجَرَ ﷺ كَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأُرَيْقِطِ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ مُشْرِكٌ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إِسْلَامٌ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا، حَتَّى إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ وَلَمْ يَمُرَّ أَحَدٌ؛ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا فِي ظِلِّهَا، وَكَانَ مَعِي فَرْوٌ فَفَرَشْتُهُ، وَقُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَمْ حَتَّى أَنْفُضَ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ قَدْ أَقْبَلَ يُرِيدُ مِنَ الصَّخْرَةِ مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، وَكَانَ يَأْتِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَاعِي لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي شَائِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: فَجَاءَنِي بِشَاةٍ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ ضَرْعِهَا، قَالَ: فَحَلَبْتُ فِي إِدَاوَةٍ مَعِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَكَانَ مَعِي مَاءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي إِدَاوَةٍ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ المَاءِ لِأُبَرِّدَهُ، وَكُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَوَافَيْتُهُ حِينَ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، وَقَالَ: مَا آنَ الرَّحِيلُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضٍ صُلْبَةٍ جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أُتِينَا. قَالَ: كَلَّا. وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَارْتَطَمَ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ سُرَاقَةُ: قَدْ أَعْلَمُ أَنْ قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي وَلَكُمَا عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ النَّاسَ عَنْكُمَا وَلَا أَضُرَّكُمَا. قَالَ: فَدَعَا لَهُ، فَرَجَعَ وَوَفَّى وَجَعَلَ يَرُدُّ النَّاسَ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ.

[مُرُورُهُ ﷺ بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ]

وَمَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتْ بَرْزَةً جَلْدَةً تَجْلِسُ بِفِنَاءِ الْقُبَّةِ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا تَمْرًا وَلَحْمًا يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ ﷺ إِلَى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلُبَهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا. فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللهَ تَعَالَى، وَدَعَا فِي شَاتِهَا فَفَتَحَتْ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا وَدَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ ثَجًّا، ثُمَّ سَقَاهَا وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ إِنَاءً حَتَّى مَلَأَهُ ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَبَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَقُولُ:

جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ

هُمَا نَزَلَاهَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ ... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللهُ عَنْكُمُ ... بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَارَى وَسُؤْدُدِ

لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ... فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ

دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... لَهُ بِصَرِيحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ

[النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْغَارِ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ]

وَكَانَ ﷺ لمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ اسْتَخْفَى هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: جَبَلُ ثَوْرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: فَنَظَرْتُ إِلَى المُشْرِكِينَ فِي الْغَارِ وَهُمْ عَلَى رُؤُوسِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا!! فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟».

[وُصُولُهُ ﷺ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ]

وَلمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ؛ تَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ. فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي غَزَوَاتِهِ ﷺ

وَجُمْلَةُ المَشْهُورِ مِنْهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ غَزَاةً:

الْأُولَى: غَزْوَةُ وَدَّانَ حَتَّى بَلَغَ الْأَبْوَاءَ، لِسَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ.

الثَّانِيَةُ: غَزَا عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

الثَّالِثَةُ: خَرَجَ فِي طَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، وَكَانَ أَغَارَ عَلَى سَرْحِ المَدِينَةِ، بَعْدَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ يَوْمًا.

الرَّابِعَةُ: غَزْوَةُ بَدْرٍ، لِسَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَصْحَابُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُمِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالمُشْرِكُونَ بَيْنَ التِّسْعِمِئَةِ وَالْأَلْفِ. وَكَانَ ذَلِكَ (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) فَرَّقَ اللهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفِيهِ أَمَدَّهُ اللهُ تَعَالَى بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.

الخَامِسَةُ: غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ.

السَّادِسَةُ: غَزْوَةُ السَّوِيقِ، فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ.

السَّابِعَةُ: غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بِالْكُدْرِ.

الثَّامِنَةُ: غَزَاةُ ذِي أَمَرَّ، وَهِيَ غَطَفَانُ، وَيُقَالُ: غَزْوَةُ أَنْمَارٍ. وَهَذِهِ الْأَرْبَعُ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ.

التَّاسِعَةُ: غَزْوَةُ أُحُدٍ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِيهَا كَانَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَسَارِهِ يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ.

الْعَاشِرَةُ: غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ خَلَتْ مِنْهَا وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ.

الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَفِيهَا صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ وَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا.

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، لِأَرْبَعِ سِنِينَ وَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ.

الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، بَعْدَ ذَلِكَ بِتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ، بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: غَزْوَةُ الْغَابَةِ، فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَفِيهَا اعْتَمَرَ ﷺ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ.

الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: [غَزْوَةُ] خَيْبَرَ، لِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ خَلَتْ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَعْدَهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ.

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِسَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا.

الْعِشْرُونَ: غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، وَفِيهَا أَيْضًا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى المَلَائِكَةَ لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ ﷺ.

الحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: غَزْوَةُ الطَّائِفِ، فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ.

الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: غَزْوَةُ تَبُوكَ، لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [خَلَتْ مِنَ التَّاسِعَةِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ]، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِالنَّاسِ.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ عَشْرَةَ غَزَاةً، وَسَبَقَنِي بِغَزَاتَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَغَيْرُهُمْ: المَشْهُورُ أَنَّهُ غَزَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ. وَالْبُعُوثُ وَالسَّرَايَا خَمْسُونَ أَوْ نَحْوُهَا، وَلَمْ يُقَاتِلْ ﷺ إِلَّا فِي سَبْعٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، وَالمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالطَّائِفِ. وَقِيلَ: قَاتَلَ أَيْضًا بِوَادِي الْقُرَى، وَالْغَابَةِ، وَبَنِي النَّضِيرِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الْفَصْلُ الخَامِسُ: فِي حَجِّهِ وَعُمَرِهِ ﷺ

وَلَمْ يَحُجَّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَ حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ لَا تَرَوْنِي بَعْدَ عَامِي هَذَا». فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: حَجَّةُ الْوَدَاعِ.

وَحَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَجَّتَيْنِ، وَكَانَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَلَمْ تُفْتَحْ مَكَّةُ إِلَّا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ فَحَجَّ بِالنَّاسِ تِلْكَ السَّنَةَ.

[حَجَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، وَطَهَّرَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ]

وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

[حَجُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ]

وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ. فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ.

[سَفَرُهُ ﷺ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ]

وَخَرَجَ ﷺ نَهَارًا، بَعْدَ أَنْ تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَتَطَيَّبَ، وَبَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَقَالَ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي المُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».

[إِحْرَامُهُ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ]

وَأَحْرَمَ ﷺ بِهِمَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.

[النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ]

وَأَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ، وَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ، ثُمَّ لمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَحِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَكَانَ يُلَبِّي بِهِمَا تَارَةً وَبِالْحَجِّ أُخْرَى، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: إِنَّهُ مُفْرِدٌ.

وَكَانَ تَحْتَهُ ﷺ رَحْلٌ رَثٌّ، وَقَطِيفَةٌ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ».

قَالَ جَابِرٌ: وَنَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ.

[دُخُولُ مَكَّةَ]

وَدَخَلَ ﷺ مَكَّةَ صَبِيحَةَ الْأَحَدِ مِنْ كُدَاءَ، مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ.

[صِفَةُ حَجِّهِ ﷺ]

وَطَافَ لِلْقُدُومِ مُضْطَبِعًا، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَسَعَى بَعْضَ سَعْيِهِ مَاشِيًا، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ فِي بَاقِيهِ، وَنَزَلَ ﷺ بِأَعْلَى الْحَجُونِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ -وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ- تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَبَاتَ بِهَا وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، وَضُرِبَتْ قُبَّتُهُ بِنَمِرَةَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى زَالَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، ثُمَّ رَاحَ إِلَى المَوْقِفِ، وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَى يَدْعُو وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَبَاتَ بِهَا وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ -وَهُوَ المَشْعَرُ الْحَرَامُ- يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى أَتَى وَادِيَ مُحَسِّرٍ فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَّتْ، فَلَمَّا أَتَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ لِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ انْقَلَبَ إِلَى المَنْحَرِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ؛ أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ بِيَدِهِ ثَوْبٌ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ ثَمَّ ضَرْبٌ وَلَا طَرْدٌ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ، ثُمَّ نَحَرَ فِي المَنْحَرِ، وَكَانَ أَهْدَى مِئَةَ بَدَنَةٍ، فَنَحَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا، ثُمَّ أَتَى إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى وَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ يَوْمِ النَّحْرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا الْجَمَرَاتِ الثَّلاثَ مَاشِيًا بِسَبْعٍ سَبْعٍ، يَبْدَأُ بِالَّتِي تَلِي الْخِيفَ، ثُمَّ بِالْوُسْطَى، ثُمَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَيُطِيلُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَنَزَلَ المُحَصِّبَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً مِنَ اللَّيْلِ، وَاعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ لمَّا قَضَتْ عُمْرَتَهَا أَمَرَ بِالرَّحِيلِ، ثُمَّ طَافَ لِلْوَدَاعِ وَتَوَجَّهَ إِلَى المَدِينَةِ.

[إِقَامَتُهُ ﷺ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ]

وَكَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ وَأَيَّامُ حَجِّهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِصِفَةِ حَجِّهِ مُؤَلَّفًا مُسْتَوْعِبًا، فِيهِ جَمِيعُ مَا بَلَغَنَا عَنْهُ ﷺ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْوَقَائِعِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى أَنْ رَجَعَ إِلَيْهَا.

[عُمْرَاتُهُ ﷺ]

وَأَمَّا عُمَرُهُ فَأَرْبَعٌ، وَكُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ:

[1] عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَنْهَا، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ مُعْتَمِرًا، وَيُخْلُونَ لَهُ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، وَيَصْعَدُونَ رُؤُوسَ الْجِبَالِ. فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِهَا، وَنَحَرَ سَبْعِينَ بَدَنَةً كَانَ سَاقَهَا، فِيهَا جَمَلٌ لِأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بُرَةُ فِضَّةٍ، يَغِيظُ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ.

[2] وَعُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ، مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ، أَحْرَمَ بِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَتَى مَكَّةَ وَتَحَلَّلَ مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ الْهِلَالِيَّةَ قَبْلَ عُمْرَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ أَقَمْتُ عِنْدَكُمْ ثَلَاثًا أُخَرَ، وَأَوْلَمتُ لَكُمْ، وَعَرَّسْتُ بِأَهْلِي». فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي وَلِيمَتِكَ، اخْرُجْ عَنَّا. فَخَرَجَ، فَأَتَى سَرِفَ -وَهِيَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ- فَعَرَّسَ بِأَهْلِهِ هُنَاكَ.

[3] وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، لمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ تَرَكَهَا وَرَجَعَ عَلَى دَحْنَا([1])، ثُمَّ عَلَى قَرْنِ المَنَازِلِ، ثُمَّ عَلَى نَخْلَةَ، حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، فَلَحِقَهُ أَهْلُ الطَّائِفِ وَأَسْلَمُوا.

وَأَحْرَمَ ﷺ وَدَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا مُعْتَمِرًا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَفَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ لَيْلًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَأَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ.

[4] وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ ﷺ.

الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي أَسْمَائِهِ ﷺ

قَالَ ﷺ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي أَحْشُرُ النَّاسَ، وَأَنَا الْعَاقِبُ فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنَا المُقَفِّي، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ المَرْحْمَةِ».

[2 ... [2]].

وَفِي رِوَايَةٍ: «وَنَبِيُّ المَلْحَمَةِ».

[بَعْضُ مَا سَمَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ]

وَسَمَّاهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: بَشِيرًا، وَنَذِيرًا، وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَرَؤُوفًا رَحِيمًا، وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمُحَمَّدًا، وَأَحْمَدَ، وَ طه، وَ يس، وَمُزَّمِّلًا، وَمُدَّثِّرًا، وَعَبْدًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وَعَبْدَ اللهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ لمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾، وَنَذِيرًا مُبِينًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وَمُذَكِّرًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[بَعْضُ أَسْمَائِهِ المَشْهُورَةِ وَمَعَانِيهَا]

وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: المُتَوَكِّلُ، وَالْفَاتِحُ، وَالْخَاتَمُ، وَالضَّحُوكُ، وَالْقَتَّالُ، وَالْأَمِينُ، وَالمُصْطَفَى، وَالرَّسُولُ، وَالنَّبِيُّ، وَالْأُمِّيُّ، وَالْقُثَمُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ صِفَاتٌ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ المَاحِي، وَالْحَاشِرِ، وَالْعَاقِبِ، وَالمُقَفِّي، فِي مَعْنَى الْعَاقِبِ.

وَالمَرْحَمَةُ بِمَعْنَى: الرَّحْمَةِ.

وَالمَلَاحِمُ: الْحُرُوبُ.

وَالضَّحُوكُ صِفَتُهُ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ، فَكِهًا.

وَالْقُثَمُ مِنْ مَعْنَيَيْنِ:

- أَحَدُهُمَا: الْعَطَاءُ، يُقَالُ: قَثَمَ لَهُ يَقْثِمُ قَثْمًا، إِذَا أَعْطَاهُ عَطَاءً [كَثِيرًا]. وَكَانَ ﷺ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.

- وَالثَّانِي مِنَ الْقَثْمِ: الْجَمْعِ. يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْجَامِعِ لِلْخَيْرِ: قَثُومٌ، وَقُثَمٌ.

الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي صِفَتِهِ ﷺ

كَانَ ﷺ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَا بَائِنٌ مِنْ طُولٍ وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، أَبْيَضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا حُمْرَةً، وَقِيلَ: أَزْهَرَ. لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ، لَهُ شَعَرٌ رَجِلٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا طَالَ، وَإِذَا قَصُرَ إِلَى أَنْصَافِهِمَا، لَمْ يَبْلُغْ شَيْبُهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرِينَ شَعْرَةً، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ، ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، مُبَلَّجَ الْوَجْهِ، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُأَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، حَسَنَ الْخَلْقِ مُعْتَدِلَهُ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صُعْلَةٌ، وَسِيمًا قَسِيمًا، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي بَيَاضِهِا عُرُوقٌ رِقَاقٌ حُمْرٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ عَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ -وَرُوِيَ: صَحَلٌ-، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَافَةٌ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلَ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنَهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوَ المَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ فِي غَيْرِ قَرَنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ، يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْنَبَ، مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ، دَقِيقَ المَسْرُبَةِ، مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ شَعَرٌ يَجْرِي كَالْقَضِيبِ، لَيْسَ فِي بَطْنِهِ وَلَا صَدْرِهِ شَعَرٌ غَيْرُهُ، أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالمَنْكِبَيْنِ، بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ، سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، مَسِيحُ الصَّدْرِ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرُ المُتَجَرِّدِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ، طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحَةِ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَابِلُ الْأَطْرَافِ، سَبْطُ الْقَصَبِ، خُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا المَاءُ، إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا، وَيَخْطُو تَكَفِّيًا، وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ كَأَنَّهُ زِرُّ حَجَلَةٍ أَوْ بَيْضَةُ حَمَامَةٍ، لَوْنُهُ كَلَوْنِ جَسَدِهِ، عَلَيْهِ خِيلَانٌ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، وَلَرِيحُ عَرَقِهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.

وَعَنْ أَنَسٍ: مَا مَسَسْتُ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ كَانَتْ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

أَمِينٌ مُصْطَفَى بِالْخَيْرِ يَدْعُو ... كَضَوْءِ الْبَدْرِ زَايَلَهُ الظَّلَامُ

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُنْشِدُ قَوْلَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي هَرِمِ بْنِ سِنَانٍ:

لَوْ كُنْتَ مِنْ شَيْءٍ سِوَى بَشَرٍ ... كُنْتَ المُضِيءَ لِلَيْلَةِ الْبَدْرِ

ثُمَّ يَقُولُ عُمَرُ وَجُلَسَاؤُهُ: كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ غَيْرُهُ.

وَفِيهِ يَقُولُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... رَبِيعَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ

تَطِيفُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَضَائِلِ

وَمِيزَانَ حَقٍّ لَا يَخِيسُ شَعِيرَةً ... وَوَزَّانَ عَدْلٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ.

الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِي صِفَاتِهِ المَعْنَوِيَّةِ، وَخُلُقِهِ فِي صُحْبَتِهِ وَعِشْرَتِهِ، وَسِيرَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ وَجُلُوسِهِ، وَعِبَادَتِهِ وَنَوْمِهِ، وَكَلَامِهِ وَضَحِكِهِ، وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَلِبَاسِهِ، وَطِيبِهِ، وَكُحْلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَسِوَاكِهِ، وَحِجَامَتِهِ، وَمُزَاحِهِ ﷺ

سُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ خُلُقِهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ. وَكَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَغْضَبُ لَهَا، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ تَعَالَى، فَيَكُونَ للهِ يَنْتَقِمُ، وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ أَحَدٌ.

[شَجَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْرَأَهُمْ صَدْرًا. قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

[سَخَاءُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَسْخَى النَّاسِ وَأَجْوَدَهُمْ، مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا. وَأَجْوَدَ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ لَا يَبِيتُ فِي بَيْتِهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ فَضَلَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيهِ وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ؛ لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. لَا يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ اللهُ إِلَّا قُوتَ أَهْلِهِ عَامًا فَقَطْ مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُهُ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ يُؤْثِرُ مِنْ قُوتِ أَهْلِهِ حَتَّى رُبَّمَا احْتَاجَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعَامِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[صِدْقُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَوْفَاهُمْ بِذِمَّةٍ، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عَشِيرَةً، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ، فَخْمًا مُفَخَّمًا.

[حِلْمُ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَيَاؤُهُ]

وَكَانَ أَحْلَمَ النَّاسِ، وَأَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، لَا يُثْبِتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، خَافِضَ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلَاحَظَةُ.

[تَوَاضُعُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَوَاضُعًا، يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، أَوْ شَرِيفٍ أَوْ دَنِيٍّ، أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. وَلمَّا جَاءَهُ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِأَبِيهِ لِيُسْلِمَ؛ قَالَ لَهُ ﷺ: «لِمَ عَنَّيْتَ الشَّيْخَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ أَلَا تَرَكْتَهُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِي مَنْزِلِهِ». فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! هُوَ أَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

[رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَرْحَمَ النَّاسِ؛ يُصْغِي الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ فَمَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَرْوَى رَحْمَةً لَهَا، وَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّغِيرِ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيُخَفِّفُ رَحْمَةً لَهَا.

[عِفَّةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ أَعَفَّ النَّاسِ، لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُ رِقَّهَا أَوْ نِكَاحَهَا أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ.

[كَيْفَ تَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ صَحَابَتِهِ؟]

وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَامَةً لِأَصْحَابِهِ، مَا رُئِيَ قَطُّ مَادًّا رِجْلَهُ بَيْنَهُمْ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ إِذَا ضَاقَ المَكَانُ، وَلَمْ تَكُنْ رُكْبَتَاهُ يَتَقَدَّمَانِ رُكْبَةَ جَلِيسِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا لِأَمْرِهِ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ.

وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».

وَكَانَ يَتَجَمَّلُ لِأَصْحَابِهِ فَضْلًا عَنْ تَجَمُّلِهِ لِأَهْلِهِ، وَيَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَى إِخْوَانِهِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُمْ وَيَتَجَمَّلَ».

[أَحْوَالُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ]

وَكَانَ يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ؛ فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا عَادَهُ، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا دَعَا لَهُ، وَمَنْ مَاتَ اسْتَرْجَعَ فِيهِ وَأَتْبَعَهُ بِالدُّعَاءِ، وَمَنْ كَانَ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا قَالَ: «لَعَلَّ فُلَانًا وَجَدَ عَلَيْنَا فِي شَيْءٍ، أَوْ رَأَى مِنَّا تَقْصِيرًا، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ». فَيَنْطَلِقُ حَتَّى يَأْتِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ.

وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى بَسَاتِينِ أَصْحَابِهِ، وَيَأْكُلُ ضِيَافَةَ مَنْ أَضَافَهُ فِيهَا.

وَكَانَ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الشَّرَفِ، وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ، وَلَا يَطْوِي بِشْرَهُ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَجْفُو عَلَيْهِ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَةَ المُعْتَذِرِ إِلَيْهِ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ وَاحِدٌ.

وَكَانَ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَمْشِي خَلْفَهُ، وَيَقُولُ: «خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ».

وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمْشِي مَعَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ حَتَّى يَحْمِلَهُ، فَإِنْ أَبَى قَالَ: «تَقَدَّمْنِي إِلَى المَكَانِ الَّذِي تُرِيدُ».

وَرَكِبَ ﷺ حِمَارًا عُرْيًا إِلَى قُبَاءٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَعَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَحْمِلُكَ؟» فَقَالَ: مَا شِئْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «ارْكَبْ». وَكَانَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ ثِقَلٌ، فَوَثَبَ لِيَرْكَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَاسْتَمْسَكَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَقَعَا جَمِيعًا!

ثُمَّ رَكِبَ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَحْمِلُكَ؟» فَقَالَ: مَا شِئْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «ارْكَبْ». فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَقَعَا جَمِيعًا!

ثُمَّ رَكِبَ وَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَحْمِلُكَ؟» فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ؛ لَا صَرَعْتُكَ ثَالِثًا.

وَكَانَ لَهُ ﷺ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لَا يَتَرَفَّعُ عَلَيْهِمْ فِي مَأْكَلٍ وَلَا مَلْبَسٍ، وَيَخْدُمُ مَنْ خَدَمَهُ؛ قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: خَدَمْتُهُ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَوَاللهِ مَا صَحِبْتُهُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ لِأَخْدُمَهُ إِلَّا وَكَانَتْ خِدْمَتُهُ لِي أَكْثَرَ مِنْ خِدْمَتِي لَهُ، وَمَا قَالَ لِي: «أُفٍّ» قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: «لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟»، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: «أَلَا فَعَلْتَ كَذَا».

وَكَانَ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ شَاةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلَيَّ ذَبْحُهَا. وَقَالَ آخَرُ: عَلَيَّ سَلْخُهَا. وَقَالَ آخَرُ: عَلَيَّ طَبْخُهَا. فَقَالَ ﷺ: «وَعَلَيَّ جَمْعُ الْحَطَبِ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ نَكْفِيكَ. فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُونِي، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مُتَمَيِّزًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ». وَقَامَ ﷺ وَجَمَعَ الْحَطَبَ.

وَكَانَ ﷺ فِي سَفَرٍ فَنَزَلَ لِلصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ إِلَى مُصَلَّاهُ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تُرِيدُ؟! قَالَ: «أَعْقِلُ نَاقَتِي». قَالُوا: نَحْنُ نَكْفِيكَ، نَحْنُ نَعْقِلُهَا. قَالَ: «لَا يَسْتَعِينُ أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ وَلَوْ فِي قِصْمَةٍ مِنْ سِوَاكٍ».

[مُزَاحُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ يَوْمًا جَالِسًا يَأْكُلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ تَمْرًا، فَجَاءَ صُهَيْبٌ وَقَدْ غَطَّى عَلَى عَيْنِهِ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَسَلَّمَ وَأَهْوَى فِي التَّمْرِ يَأْكُلُ، فَقَالَ ﷺ: «تَأْكُلُ الْحَلْوَاءَ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟!» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا آكُلُ بِشِقِّ عَيْنِي الصَّحِيحَةِ. فَضَحِكَ ﷺ.

وَكَانَ يَوْمًا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَجَاءَهُ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ أَرْمَدُ، فَدَنَا لِيَأْكُلَ، فَقَالَ: «أَتَأْكُلُ الْحَلْوَاءَ وَأَنْتَ أَرْمَدُ؟!» فَتَنَحَّى نَاحِيَةً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِرُطَبَةٍ، ثُمَّ أُخْرَى، ثُمَّ أُخْرَى، حَتَّى رَمَى إِلَيْهِ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مِنَ التَّمْرِ مَا أُكِلَ وِتْرًا».

وَأَهْدَتْ إِلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ قَصْعَةَ ثَرِيدٍ وَهُوَ عِنْدَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَرَمَتْ بِهَا عَائِشَةُ فَكَسَرَتْهَا، فَجَعَلَ ﷺ يَجْمَعُ ذَلِكَ فِي الْقَصْعَةِ وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ! غَارَتْ أُمُّكُمْ!».

[حَدِيثُ خُرَافَةَ]

وَحَدَّثَ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثًا، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: كَأَنَّ الْحَدِيثَ حَدِيثُ خُرَافَةَ. فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ أَسَرَتْهُ الْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ فِيهِمْ دَهْرًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَقَالَ النَّاسُ: حَدِيثُ خُرَافَةَ».

[كَيْفَ جَزَّأَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْقَاتَهُ فِي مَنْزِلِه؟]

وَكَانَ ﷺ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ:

[1] جُزْءًا للهِ.

[2] وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ.

[3] وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ.

ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ.

وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ: إِيْثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ، وَقَسْمُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ؛ فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ، وَيُشْغِلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ، وَيَدْخُلُونَ رُوَّادًا، وَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ، وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً - يَعْنِي: عَلَى الْخَيْرِ-.

[تَأْلِيفُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ]

وَكَانَ ﷺ يُؤَلِّفُ أَصْحَابَهُ، وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كُلَّ كَرِيمِ قَوْمٍ، وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي يَلِيهِ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ. أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً.

وَلَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ، لَا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ مِمَّنْ جَالَسَهُ، وَإِذَا جَلَسَ أَحَدٌ إِلَيْهِ لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَقُومَ الَّذِي جَلَسَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَعْجِلَهُ أَمْرٌ فَيَسْتَأْذِنُهُ.

[صَفْحُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَلَا يُقَابِلُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا قَطُّ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا أَحَدًا إِلَّا فِي جِهَادٍ.

وَيَصِلُ ذَا رَحِمِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِمِثْلِهَا بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.

[عِيَادَتُهُ ﷺ لِلْمَرْضَى، وَمَحَبَّتُهُ كُلَّ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ]

وَكَانَ يَعُودُ المَرْضَى، وَيُحِبُّ المَسَاكِينَ، وَيُجَالِسُهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ، وَلَا يَحْقِرُ فَقِيرًا لِفَقْرِهِ، وَلَا يَهَابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ.

يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ، لَا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا.

يَحْفَظُ جَارَهُ، وَيُكْرِمُ ضَيْفَهُ، وَيَبْسُطُ رِدَاءَهُ لَهُ كَرَامَةً، وَجَاءَتْهُ ظِئْرُهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ يَوْمًا؛ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ لَهَا، وَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّي». وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ.

[حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْأُمُورِ المُهِمَّةِ]

وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا، وَأَحْسَنَهُمْ بِشْرًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَا يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ للهِ، أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ أَوْ لِأَهْلِهِ مِنْهُ.

مَا خُيِّرَ فِي شَيْئَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَطِيعَةُ رَحِمٍ فَيَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.

وَكَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيَخْدُمُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَيُقَطِّعُ اللَّحْمَ مَعَهُنَّ.

وَيَرْكَبُ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ وَالْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِطَرَفِ كُمِّهِ وَبِطَرَفِ رِدَائِهِ.

وَكَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْعَصَا، وَقَالَ: «التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ».

رَعَى الْغَنَمَ، وَقَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا».

[صِفَةُ عَقِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَعَقَّ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَمَا جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ، وَكَانَ لَا يَدَعُ الْعَقِيقَةَ عَنِ المَوْلُودِ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَأْمُرُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَأَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ بِزِنَةِ شَعَرِهِ فِضَّةً.

وَكَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ، وَيَقُولُ: «مَا مِنَّا إِلَّا مَنْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ».

[بَعْضُ أَدْعِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا يُحِبُّ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وَإِذَا جَاءَهُ مَا يَكْرَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

وَإِذَا رُفِعَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَآوَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ»، وَرُوِيَ فِيهِ: «الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا».

وَإِذَا عَطَسَ؛ خَفَضَ صَوْتَهُ، وَاسْتَتَرَ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ، وَتَحَمَّدَ.

[صِفَةُ مَجَالِسِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَإِذَا جَلَسَ فِي المَجْلِسِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَيَسْتَغْفِرُ فِي المَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِئَةَ مَرَّةٍ.

[كَيْفَ جَزَّأَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَالِيَهُ؟]

وَكَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنَ السَّحَرِ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ لِلصَّلَاةِ.

وَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَائِمًا، وَرُبَّمَا صَلَّى قَاعِدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا. وَكَانَ يُسْمَعُ لِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ.

[صِفَةُ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَعَاشُورَاءَ. وَقَلَّ مَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَأَكْثَرُ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ.

[صِفَةُ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتِيقَاظِهِ]

وَكَانَ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ، وَإِذَا نَامَ نَفَخَ، وَلَا يَغُطُّ غَطِيطًا، وَإِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَرُوعُهُ قَالَ: «هُوَ اللهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».

وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ؛ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ، وَقَالَ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ».

وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا».

وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».

[صِفَةُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ بَيَّنَ كَلَامَهُ حَتَّى يَحْفَظَهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ، وَيُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ، وَيَخْزُنُ لِسَانَهُ لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَصْلٌ لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ.

وَكَانَ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ، وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ:

* وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ *

وَبِغَيْرِ ذَلِكَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[صِفَةُ ضَحِكِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمَ، وَرُبَّمَا ضَحِكَ مِنْ شَيْءٍ مُعْجِبٍ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ مِنْ غَيْرِ قَهْقَهَةٍ.

[صِفَةُ أَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَمَا عَابَ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ تَرَكَهُ.

وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا وَلَا عَلَى خِوَانٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ مُبَاحٍ.

يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ.

وَلَا يَتَأَنَّقُ فِي مَأْكَلٍ، يَأْكُلُ مَا وَجَدَ؛ إِنْ وَجَدَ تَمْرًا أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ خُبْزًا أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ شِوَاءً أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ لَبَنًا اكْتَفَى بِهِ.

وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ ﷺ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. وَكَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ لَا يُوْقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ نَارٌ. وَكَانَ قُوتُهُمُ التَّمْرَ وَالمَاءَ.

وَكَانَ يُعَصِّبُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، وَقَدْ آتَاهُ اللهُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَاخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَيْهَا.

وَكَانَ يَأْتِي عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، فَيَقُولُ: «أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟» فَتَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: «إِنِّي صَائِمٌ». فَأَتَاهَا يَوْمًا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَ لَنَا هَدِيَّةٌ. قَالَ: «وَمَا هِيَ؟» قَالَتْ: حَيْسٌ. قَالَ: «أَمَا إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا». قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ.

وَأَكَلَ ﷺ الْخُبْزَ بِالْخَلِّ، وَقَالَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ».

وَأَكَلَ لَحْمَ الدَّجَاجِ، وَلَحْمَ الْحُبَارَى، وَكَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ وَيَأْكُلُهُ، وَيُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ مِنَ الشَّاةِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ».

وَقَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ، وَادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ».

وَكَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ، يَعْنِي: مَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ.

وَكَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، وَيَلْعَقُهُنَّ.

وَعَنْ سَلْمَى زَوْجَةِ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ الْحَسَنَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ جَعْفَرٍ أَتَوْهَا فَقَالُوا لَهَا: اصْنَعِي لَنَا طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيُحَسِّنُ أَكْلَهُ. فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَا تَشْتَهِيهِ الْيَوْمَ. قَالَ: بَلَى، اصْنَعِيهِ لَنَا. قَالَ: فَقَامَتْ فَطَحَنَتْ شَعِيرًا وَجَعَلَتْهُ فِي قِدْرٍ، وَصَبَّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ زَيْتٍ، وَدَقَّتِ الْفُلْفُلَ وَالتَّوَابِلَ، وَقَرَّبَتْهُ إِلَيْهِمْ وَقَالَتْ: هَذَا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيُحَسِّنُ أَكْلَهُ.

وَأَكَلَ ﷺ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: «هَذَا أُدْمُ هَذَا».

وَأَكَلَ ﷺ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَالْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، وَالتَّمْرَ بِالزُّبْدِ.

وَكَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ.

[صِفَةُ شُرْبِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا، وَرُبَّمَا شَرِبَ قَائِمًا، وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا، وَإِذَا فَضَلَ مِنْهُ فَضْلَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَهَا بَدَأَ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ.

وَشَرِبَ ﷺ لَبَنًا، وَقَالَ: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ لَبَنًا؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ»، وَقَالَ ﷺ: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ».

[صِفَةُ لِبَاسِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ يَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَنْتَعِلُ المَخْصُوفَ، وَلَا يَتَأَنَّقُ فِي مَلْبَسٍ، يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ؛ مَرَّةً شَمْلَةً، وَمَرَّةً بُرْدَ حِبَرَةٍ، وَمَرَّةً جُبَّةَ صُوفٍ.

وَكَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا.

وَكَانَ لِنَعْلَيْهِ قِبَالَانِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا وَاحِدًا عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَكَانَ أَحَبُّ اللِّباسِ إِلَيْهِ الْحِبَرَةَ -وَهِيَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ، فِيهَا حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ-، وَكَانَ أَحَبُّ الثِّيابِ إِلَيْهِ الْقَمِيصَ.

وَكَانَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ: عِمَامَةً، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ رِدَاءً، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا أَلْبَسْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ».

وَكَانَ يُعْجِبُهُ الثِّيَابُ الْخُضْرُ. وَكَانَتْ تَكُونُ قَمِيصُهُ مَشْدُودَةَ الْأَزْرَارِ.

وَكَانَ يَلْبَسُ الْكِسَاءَ الصُّوفَ وَحْدَهُ فَيُصَلِّي فِيهِ، وَرُبَّمَا لَبِسَ الْإِزَارَ الْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ يُصَلِّي فِيهِ.

وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُهَا دُونَ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ دُونَهَا، وَيَلْبَسُ الْقَلَانِسَ ذَاتَ الْآذَانِ فِي الْحَرْبِ.

وَرُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ وَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَلَّى إِلَيْهَا، وَرُبَّمَا مَشَى بِلَا قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا رِدَاءٍ رَاجِلًا يَعُودُ المَرْضَى كَذَلِكَ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ.

وَكَانَ يَعْتَمُّ وَيُسْدِلُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعِمَامَةٍ، وَسَدَلَ طَرَفَهَا عَلَى مَنْكِبَيَّ، وَقَالَ: «إِنَّ الْعِمَامَةَ حَاجِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ».

وَكَانَ يَلْبَسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ، وَيَعْتَمُّ.

وَكَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، نَقْشُهُ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) فِي خِنْصَرِهِ الْأَيْمَنِ، وَرُبَّمَا لَبِسَهُ فِي الْأَيْسَرِ، وَيَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ كَفِّهِ.

[عِطْرُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَيَكْرَهُ الرِّيحَ الْكَرِيهَةَ. وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ لَذَّتِي فِي النِّسَاءِ وَالطِّيبِ، وَجَعَلَ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».

وَكَانَ يَتَطَيَّبُ بِالْغَالِيَةِ وَبِالْمِسْكِ حَتَّى يُرَى وَبِيصُهُ فِي مَفَارِقِهِ، وَيَتَبَخَّرُ بِالْعُودِ وَيَطْرَحُ مَعَهُ الْكَافُورَ؛ وَكَانَ يُعْرَفُ فِي اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ بِطِيبِ رِيحِهِ.

[اكْتِحَالُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِثْمِدِ]

وَكَانَ ﷺ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ، وَرُبَّمَا اكْتَحَلَ ثَلَاثًا فِي الْيَمِينِ، وَاثْنَتَيْنِ فِي الْيَسَارِ، وَرُبَّمَا اكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَكَانَ يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ؛ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ».

[صِفَةُ تَرَجُّلِ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ يَتَرَجَّلُ غِبًّا.

وَكَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.

[مِرْآةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ، وَرُبَّمَا نَظَرَ فِي المَاءِ فِي رَكْوَةٍ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

[عِنَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّنَظُّفِ حَتَّى فِي أَسْفَارِهِ]

وَسَوَّى جُمَّتَهُ.

[آلَاتُهُ فِي سَفَرِهِ]

وَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ: قَارُورَةُ الدُّهْنِ فِي سَفَرِهِ، وَالمُكْحُلَةُ، وَالْمِرْآةُ، وَالمُشْطُ، وَالْمِقْرَاضُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْخُيُوطُ وَالْإِبْرَةُ يَخِيطُ ثِيَابَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ.

[اسْتِيَاكُ النَّبِيِّ ﷺ، وَحِجَامَتُهُ]

وَكَانَ يَسْتَاكُ بِالْأَرَاكِ، وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ، وَيَسْتَاكُ فِي اللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قَبْلَ النَّوْمِ، وَبَعْدَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ لِوِرْدِهِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ.

وَكَانَ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ، وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ. وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمَلَلٍ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ. وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ.

[مُزَاحُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ ﷺ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَقَدْ مَاتَ نُغَيْرُ ابْنِهَا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».

وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، احْمِلْنِي عَلَى جَمَلٍ. فَقَالَ: «أَحْمِلُكِ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ». قَالَتْ: لَا يُطِيقُنِي! قَالَ: «لَا أَحْمِلُكِ إِلَّا عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ». قَالَتْ: لَا يُطِيقُنِي! فَقَالَ لَهَا النَّاسُ: وَهَلِ الْجَمَلُ إِلَّا وَلَدَ النَّاقَةِ؟!

وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي مَرِيضٌ، وَهُوَ يَدْعُوكَ. فَقَالَ: «لَعَلَّ زَوْجَكِ الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ». فَرَجَعَتِ المَرْأَةُ وَفَتَحَتْ عَيْنَ زَوْجِهَا لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟! قَالَتْ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ فِي عَيْنِ زَوْجِكَ بَيَاضًا. فَقَالَ: وَيْحَكِ! وَهَلْ أَحَدٌ إِلَّا وَفِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ؟!

وَجَاءَتْهُ أُخْرَى فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ. فقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ». فَوَلَّتِ المَرْأَةُ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ ﷺ: «أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾».

وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَابَقْتُهُ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمِي سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفِي وَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ!».

وَجَاءَ ﷺ إِلَى السُّوقِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِ رَجُلٍ اسْمُهُ زَاهِرٌ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّهُ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَمَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟» فَجَعَلَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَقُولُ: إِذًا تَجِدَنِي كَاسِدًا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ ﷺ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ رَبِّكَ لَسْتَ بِكَاسِدٍ».

وَرَأَى ﷺ حُسَيْنًا مَعَ صِبْيَةٍ فِي السُّوقِ، فَتَقَدَّمَ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، وَطَفِقَ الْحُسَيْنُ يَفِرُّ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُضَاحِكُهُ، حَتَّى أَخَذَهُ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقِنِهِ وَالْأُخْرَى فَوْقَ رَأْسِهِ.

وَكَانَ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ وَالْجَوَارِي يَلْعَبْنَ عِنْدَهَا، فَإِذَا رَأَيْنَهُ تَفَرَّقْنَ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا يَوْمًا وَهِيَ تَلْعَبُ بِلُعَبِهَا: «مَا هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟» فَقَالَتْ: خَيْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. فَضَحِكَ، وَطَلَبَ الْبَابَ، فَابْتَدَرَتْهُ وَاعْتَنَقَتْهُ، وَقَالَ: «مَا لَكِ يَا حُمَيْرَاءُ؟» فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أن يَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَتْ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبِطَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا، وَلَا تَكْسِبُ بَعْدَهَا خَطِيئَةً وَلَا إِثْمًا». وَقَالَ ﷺ: «أَفَرِحْتِ يَا عَائِشَةُ؟» فَقَالَتْ: إِي، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. فَقَالَ: «أَمَا وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ؛ مَا خَصَصْتُكِ بِهَا مِنْ بَيْنِ أُمَّتِي، وَإِنَّهَا لَصَلَاتِي لِأُمَّتِي فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، وَمَنْ بَقِيَ، وَمَنْ هُوَ آتٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَدْعُو لَهُمْ وَالمَلَائِكَةُ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِي»، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[أَنَّهُ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ]

وَكَانَ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدَ المُرْسَلِينَ، وَآتَاهُ اللهُ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَلَا يُحْصِي مَنَاقِبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ صَلَاةً دَائِمَةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

[أُنْشُودَةُ الْأَمِينِ الْعَاصِمِيِّ]

وَأَنْشَدَ الْأَمِينُ الْعَاصِمِيُّ:

يَا جَاعِلًا سُنَنَ النَّبِيِّ شِعَارَهُ وَدِثَارَهُ

مُتَمَسِّكًا بِحَدِيثِهِ مُتَتَبِّعًا أَخْبَارَهُ

سُنَنُ الشَّرِيعَةِ خُذْ بِهَا مُتَوَسِّمًا آثَارَهُ

وَكَذَا الطَّرِيقَةُ فَاقْتَبِسْ فِي سُبْلِهَا أَنْوَارَهُ

هُوَ قُدْوَةٌ لَكَ فَاتِّخِذْ فِي السُّنَّتَيْنِ شِعَارَهُ

قَدْ كَانَ يَقْرِي ضَيْفَهُ كَرَمًا وَيَحْفَظُ جَارَهُ

وَيُجَالِسُ الْمِسْكِينَ يُؤْثِرُ قُرْبَهُ وَجِوَارَهُ

الْفَقْرُ كَانَ رِدَاءَهُ وَالْجُوعُ كَانَ شِعَارَهُ

يَلْقَى بِغُرَّةِ ضَاحِكٍ مُسْتَبْشِرًا زُوَّارَهُ

بَسَطَ الرِّدَاءَ كَرَامَةً لِكَرِيمِ قَوْمٍ زَارَهُ

مَا كَانَ مُخْتَالًا وَلَا مَرِحًا يَجُرُّ إِزَارَهُ

قَدْ كَانَ يَرْكَبُ بِالرَّدِيفَ مِنَ الْخُضُوعِ حِمَارَهُ

فِي مِهْنَةٍ هُوَ أَوْ صَلَاةٍ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ

فَتَرَاهُ يَحْلُبُ شَاةَ مَنْزِلِهِ وَيُوقِدُ نَارَهُ

مَا زَالَ كَهْفَ مُهَاجِرِيهِ وَمُكْرِمًا أَنْصَارَهُ

بَرًّا بِمُحْسِنِهِمْ مُقِيلًا لِلْمُسِيءِ عِثَارَهُ

يَهَبُ الَّذِي تَحْوِي يَدَاهُ لِطَالِبٍ إِيثَارَهُ

زَكَّى عَنِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ رَبُّهُ مِقْدَارَهُ

جَعَلَ الْإِلَهُ صَلَاتَهُ أَبَدًا عَلَيْهِ نِثَارَهُ

فَاخْتَرْ مِنَ الْأَخْلَاقِ مَا كَانَ الرَّسُولُ اخْتَارَهُ

لِتُعَدَّ سُنِّيًّا وَتُوشِكَ أَنْ تُبَوَّأَ دَارَهُ

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَآلِهِمْ أَجْمَعِينَ.

الْفَصْلُ التَّاسِعُ: فِي مُعْجِزَاتِهِ ﷺ

[1] فَمِنْهَا: الْقُرْآنُ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا: أَعْجَزَتِ الْفُصَحَاءَ مُعَارَضَتُهُ، وَقَصَّرَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ مُشَاكَلَتِهِ؛ فَلَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، أَيْقَنَ المُلْحِدُونَ بِصِدْقِهِ لَمَّا سُئِلُوا أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ سُورَةٍ أَوْ بِآيَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.

[2] وَمِنْهَا: حَدِيثُ سَلْمَانَ، وَقَوْلُ الْعَالِمِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بَيْتَ المَقْدِسِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً: لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْ يَتِيمٍ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ أَنْ تَنْطَلِقَ الْآنَ تُوَافِقُهُ، وَفِيهِ ثَلَاثُ خِلَالٍ: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَعِنْدَ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ مِثْلَ الْبَيْضَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ جِلْدِهِ. فَانْطَلَقَ فَوَجَدَهُ ﷺ وَوَجَدَ الْعَلَامَاتِ.

[3] وَمِنْهَا: شَرْحُ صَدْرِهِ لَمَّا عُرِجَ بِهِ، وَإِخْرَاجُ الْعَلَقَةِ الَّتِي هِيَ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْ قَلْبِهِ، ثُمَّ غَسْلُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَإِعَادَتُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

[4] وَمِنْهَا: إِخْبَارُهُ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ وَمَا فِيهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، حِينَ تَرَدَّدُوا فِي عُرُوجِهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَكَشَفَ اللهُ لَهُ عَنْهُ فَوَصَفَهُ لَهُمْ.

[5] وَمِنْهَا: انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِرقَتَيْنِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ آيَةً، وَأُنْزِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ.

[6] وَمِنْهَا: أَنَّ المَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ جَلَسُوا فِي الْحِجْرِ بَعْدَمَا تَعَاقَدُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَخَرَجَ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَأَقْبَلَ ﷺ حَتَّى قَامَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، ثُمَّ حَصَبَهُمْ، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَصَى حَصَاةٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ.

[7] وَمِنْهَا: أَنَّهُ رَمَى الْقَوْمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَبْضَةٍ مِنْ تُرَابٍ، فَهَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ تُرَابًا! وَفِيهِ نَزَلَ: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}.

[8] وَمِنْهَا: آيَةُ الْغَارِ؛ إِذْ خَرَجَ الْقَوْمُ فِي طَلَبِهِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِمْ أَثَرُهُ، وَصُدُّوا عَنْهُ، وَهُوَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَبَعَثَ اللهُ عَنْكَبُوتًا فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ.

[9] وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ ضَرْعِ عَنَاقٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، فَدَرَّتْ، فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ.

[10] وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى ضَرْعِ شَاةِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَهِيَ حَائِلٌ قَدْ أَجْهَدَهَا الْهُزَالُ، فَدَرَّتْ، وَتَحَفَّلَ ضَرْعُهَا.

[11] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يُعِزَّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتُجِيبَ فِي عُمَرَ.

[12] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُذْهِبَ اللهُ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، فَأَذْهَبَهُمَا اللهُ عَنْهُ.

[13] وَمِنْهَا: أَنَّهُ دَعَا لَهُ وَهُوَ يَشْكُو وَجَعًا، فَلَمْ يَشْكُهُ بَعْدُ.

[14] وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ وَلَمْ يَرْمَدْ بَعْدَ ذَلِكَ.

[15] وَمِنْهَا: أَنَّ رِجْلَ أَنْصَارِيٍّ أُصِيبَتْ، فَمَسَحَهَا، فَبَرَأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا.

[16] وَمِنْهَا: أَنَّ سَمُرَةَ أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَنَفَثَ فِيهَا ثَلَاثَ نَفَثَاثٍ، قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ.

[17] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُفَقِّهَهُ اللهُ فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ؛ فَكَانَ يُدْعَى (الْبَحْرَ) لِسَعَةِ عِلْمِهِ.

[18] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ لِجَمَلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَصَارَ سَابِقًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَسْبُوقًا.

[19] وَمِنْهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَارَكَ فِي تَمْرِ جَابِرٍ حَتَّى قَضَى مِنْهُ دَيْنَ أَبِيهِ، وَفَضَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسْقًا، وَكَانَ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا.

[20] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ لِأَنَسٍ بِطُولِ الْعُمُرِ، وَكَثْرَةِ المَالِ وَالْوَلَدِ، وَأَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِيهِمَا؛ فَوُلِدَ لَهُ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَدًا لِصُلْبِهِ، وَكَانَ نَخْلُهُ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَعَاشَ مِئَةَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَهَا.

[21] وَمِنْهَا: أَنَّهُ شُكِيَ إِلَيْهِ قُحُوطَ المَطَرِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَدَعَا اللهَ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِثْلَ التُّرْسِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ، وَمُطِرُوا إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، حَتَّى شَكَوْا إِلَيْهِ انْقِطَاعَ السُّبُلِ، فَدَعَا اللهَ فَأَقْلَعَتْ عَنْهُمْ.

[22] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ عَلَى عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ أَنْ يُسَلِّطَ اللهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ؛ فَقَتَلَهُ أَسَدٌ بِالزَّوْرَاءِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.

[23] وَمِنْهَا: دَعْوَتُهُ عَلَى سُرَاقَةَ لمَّا اتَّبَعَهُ حِينَ هَاجَرَ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.

[24] وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الشَّجَرِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ حِينَ عَرَضَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ ﷺ: «هَذِهِ الشَّجَرَةُ». فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ لَهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا.

[25] وَمِنْهَا: أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقُولُ أَشْيَاءَ، فَهَلْ لَكَ أَنْ أُدَاوِيَكَ؟ وَكَانَ يُدَاوِي وَيُعَالِجُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟» وَعِنْدَهُ نَخْلٌ وَشَجَرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِذْقًا مِنْهَا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ». فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: وَاللهِ لَا أُكَذِّبُكَ فِي شَيْءٍ تَقُولُهُ أَبَدًا.

[26] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ شَجَرَتَيْنِ فَاجْتَمَعَتَا، ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَافْتَرَقَتَا.

[27] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ أَنَسًا أَنْ يَنْطَلِقَ إِلَى نَخْلَاتٍ إِلَى جَانِبِهِنَّ رَجَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَيَقُولَ لَهُنَّ: يَقُولُ لَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَلَفَّقْنَ بَعْضُكُنَّ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى تَكُنَّ سُتْرَةً لِمَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ». قَالَ أَنَسٌ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُنَّ الَّذِي أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ؛ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَفْزِهِنَّ بِعُرُوقِهِنَّ وَتُرَابِهِنَّ حَتَّى لَصِقَ بَعْضُهُنَّ إِلَى بَعْضٍ، فَكُنَّ كَأَنَّهُنَّ نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الرَّجَمِ وَقَفْزِهِ حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى لَصِقَ بِالنَّخْلَاتِ، وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى كُنَّ كَأَنَّهُنَّ جِدَارٌ وَاحِدٌ! وَلمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ قَالَ لِي: «انْطَلِقْ فَقُلْ لَهُنَّ: يَأْمُرُكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعُدْنَ إِلَى مَا كُنْتُنَّ عَلَيْهِ». فَقُلْتُ لَهُنَّ، فَعَادَ كُلٌّ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.

[28] وَمِنْهَا: أَنَّهُ نَامَ، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيَّ، فَأَذِنَ لَهَا».

[29] وَمِنْهَا: تَسْلِيمُ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ لَيَالِيَ بُعِثَ.

[30] وَمِنْهَا: حَنِينُ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[31] وَمِنْهَا: تَسْبِيحُ الْحَصَى فِي كَفِّهِ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي كَفِّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ فَسَبَّحَ.

[32] وَمِنْهَا: تَسْبِيحُ طَعَامٍ دَعَا أَصْحَابَهُ إِلَيْهِ ﷺ.

[33] وَمِنْهَا: تَكْلِيمُ الذِّرَاعِ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لَهُ بِأَنَّهَا مَسْمُومَةٌ.

[34] وَمِنْهَا: شَكْوَى الْبَعِيرِ إِلَيْهِ إِيذَاءَهُ فِي الْعَمَلِ، وَقِلَّةَ الْعَلَفِ.

[35] وَمِنْهَا: أَنَّ ظَبْيَةً وَقَعَتْ فِي شَبَكَةِ صَيَّادٍ، فَسَأَلَتْ أَنْ يُطْلِقَهَا لِتُرْضِعَ أَوْلَادَهَا ثُمَّ تَرْجِعَ، فَأَطْلَقَهَا، وَجَلَسَ حَتَّى رَجَعَتْ وَجَاءَ صَاحِبُهَا، فَشَفَعَ إِلَيْهِ حَتَّى خَلَّا سَبِيلَهَا، فَاتَّخَذَ الْقَوْمُ ذَلِكَ المَوْضِعَ مَسْجِدًا.

[36] وَمِنْهَا: انْقِيَادُ الْفَحْلَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ لَهُ لمَّا عَجَزَ صَاحِبُهُمَا عَنْ أَخْذِهِمَا، جَاءَا فَبَرَكَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَخَطَمَهُمَا وَدَفَعَهُمَا إِلَيْهِ.

[37] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَ سِتَّ بَدَنَاتٍ أَوْ سَبْعًا، فَجَعَلْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ ﷺ.

[38] وَمِنْهَا: أَنَّ عَيْنَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ نَدَرَتْ وَصَارَتْ فِي يَدِهِ، فَرَدَّهَا ﷺ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ.

[39] وَمِنْهَا: إِخْبَارُهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَصَارِعِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَعْدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَصْرَعَهُ الَّذِي عَيَّنَهُ.

[40] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَوَائِفَ مِنْ أُمَّتِهِ يَغْزُونَ فِي الْبَحْرِ، وَأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ بِنْتَ مِلْحَانَ مِنْهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ.

[41] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لِعُثْمَانَ: إِنَّهُ سَتُصِيبُهُ بَلْوَى شَدِيدَةٌ، فَكَانَتْ وَقُتِلَ.

[42] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لِلْأَنْصَارِ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً». فَكَانَتْ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ.

[43] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لِلْحَسَنِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَظِمَتَيْنِ». فَكَانَ كَذَلِكَ.

[44] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ بِقَتْلِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ لَيْلَةَ قَتْلِهِ وَبِمَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ بِصَنْعَاءِ الْيَمَنِ، فَكَانَ كَذَلِكَ.

[45] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الشَّيْمَاءِ الْأَزْدِيَّةِ أَنَّهَا رُفِعَتْ لَهُ فِي خِمَارٍ أَسْوَدَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، فَأُخِذَتْ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي جَيْشِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

[46] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ: «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ، فَبَلَغَ مُلْكُهُمْ مِنْ أَوَّلِ المَشْرِقِ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، إِلَى آخِرِ المَغْرِبِ مِنْ بَحْرِ الْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْبَرْبَرِ، وَلَمْ يَتَّسِعُوا فِي الْجَنُوبِ وَلَا فِي الشَّمَالِ.

[47] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: «يَعِيشُ حَمِيدًا، وَيُقْتَلُ شَهِيدًا». فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.

[48] وَمِنْهَا: أَنَّ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ لمَّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ جَاءَتْهُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّهَا امْرَأَةٌ بَذِيئَةٌ، وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَكَ، فَلَوْ قُمْتَ؟ قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي». فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. قَالَ: مَا يَقُولُ الشِّعْرَ. قَالَتْ: أَنْتَ عِنْدِي مُصَدَّقٌ. وَانْصَرَفَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ تَرَكَ! قَالَ: «لَا، لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي مِنْهَا بِجَنَاحِهِ».

[49] وَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ مَاتَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ». قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: فَأَتَيْتُ تِلْكَ الْأَرْضَ الَّتِي مَاتَ بِهَا، فَوَجَدْتُهُ مَنْبُوذًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ.

[50] وَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْ بِيَمِينِكَ». فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا اسْتَطَعْتَ». فَمَا رَفَعَهَا بَعْدُ إِلَى فِيهِ.

[51] وَمِنْهَا: سُقُوطُ الْأَصْنَامِ الَّتِي فِي الْكَعْبَةِ بِإِشَارَتِهِ ﷺ دُونَ مَسِّهَا بِشَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ؛ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا».

[52] وَمِنْهَا: أَنَّ مَازِنَ ابْنَ الْغَضُوبَةِ كَانَ يَسْدُنُ صَنَمًا، فَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ مُبَشِّرًا بِنُبُوَّتِهِ ﷺ، وَيَحُضُّهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَعَلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الصَّنَمِ.

[53] وَمِنْهَا: أَنَّ سَوَادَ بْنَ قَارِبٍ أَتَاهُ رَئِيُّهُ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ مُتَتَابِعَاتٍ يَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ وَيُوقِظُهُ، وَيُخْبِرُهُ بِبَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحَرِّضُهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ.

[54] وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الذِّئْبِ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ.

[55] وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الضَّبِّ أَيْضًا بِنُبُوَّتِهِ ﷺ.

[56] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَطْعَمَ أَهْلَ الْخَنْدَقِ -وَهُمْ أَلْفٌ- مِنْ صَاعِ شَعِيرٍ، فَشَبِعُوا، وَانْصَرَفُوا وَالطَّعَامُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ.

[57] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَطْعَمَهُمْ مِنْ تَمْرٍ يَسِيرٍ جَاءَتْ بِهِ ابْنَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أَبِيهَا وَخَالِهَا عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ.

[58] وَمِنْهَا: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَأْذَنُوهُ فِي نَحْرِ ظُهُورِهِمْ لِقِلَّةِ الزَّادِ، فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنِ ائْتُونِي مَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِكُمْ». فَبَسَطُوا أَنْطَاعًا، ثُمَّ صَبُّوا عَلَيْهَا مَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ، فَدَعَا لَهُمْ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، فَأَكَلُوا حَتَّى تَضَلَّعُوا شِبَعًا، ثُمَّ كَفَتُوا مَا فَضَلَ مِنْهَا فِي جُرُبِهِمْ.

[59] وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَتَاهُ بِتَمَرَاتٍ قَدْ صَفَّهُنَّ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ. قَالَ: فَدَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، وَقَالَ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا؛ فَأَدْخِلَ يَدَكَ، وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَخْرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكُنَّا نَطْعَمُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ فِي حِقْوِي حَتَّى انْقَطَعَ مِنِّى لَيَالِيَ عُثْمَانَ.

[60] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَدَعَا عَلَيْهَا أَهْلَ الصُّفَّةِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ كَيْ يَدْعُوَنِي، حَتَّى قَامَ الْقَوْمُ وَلَيْسَ فِي الْقَصْعَةِ إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ فِي نَوَاحِيهَا، فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَارَ لُقْمَةً، فَوَضَعَهَا عَلَى أَصَابِعِهِ وَقَالَ لِي: «كُلْ بِسْمِ اللهِ». فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا زِلْتُ آكُلُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعْتُ.

[61] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَرْوَى أَهْلَ الصُّفَّةِ مِنْ قَدَحِ لَبَنٍ، ثُمَّ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلَةٌ شَرِبَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ النَّبِيُّ ﷺ.

[62] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَطْعَمَ، فِي بِنَائِهِ بِزَيْنَبَ، مِنْ جَفْنَةِ ثَرِيدٍ أَهْدَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ رُفِعَتْ وَلَا يُدْرَى أَيُّ الطَّعَامِ كَانَ فِيهَا أَكْثَرَ: حِينَ وُضِعَتْ، أَمْ حِينَ رُفِعَتْ؟

[63] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ، فَتَعَاقَبُوهَا مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى الظُّهْرِ يَقُومُ قَوْمٌ وَيَجْلِسُ آخَرُونَ.

[64] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَطْعَمَ ثَمَانِينَ رَجُلًا فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ أَقْرَاصِ شَعِيرٍ جَعَلَهَا أَنَسٌ تَحْتَ إِبِطِهِ، حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ.

[65] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ عُمَرَ أَنْ يُزَوِّدَ أَرْبَعَمِئَةِ رَاكِبٍ مِنْ تَمْرٍ، فَزَوَّدَهُمْ، وَبَقِيَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.

[66] وَمِنْهَا: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي إِنَاءٍ، وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: «حَيَّ عَلَى الْوَضُوءِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ، وَتَوَضَّأَ النَّاسُ، وَشَرِبُوا، وَهُمْ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِئَةٍ.

[67] وَمِنْهَا: عَنْهُ قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ عَطَشٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَجَهَشَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فِي رَكْوَةٍ، فَرَأَيْتُ المَاءَ مِثْلَ الْعُيُونِ، وَكُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً.

[68] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي الْقَدَحِ، فَمَا وَسَّعَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، فَوَضَعَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَ وَقَالَ: «هَلُمُّوا». فَتَوَضَّؤُوا أَجْمَعِينَ، وَهُمْ مِنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.

[69] وَمِنْهَا: أَنَّهُ أُتِيَ بِقَعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْقَعْبِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ، وَهُمْ زُهَاءٌ عَنْ ثَلَاثِمِئَةٍ.

[70] وَمِنْهَا: قَضِيَّةُ ذَاتِ المَزَادَتَيْنِ، وَشُرْبُ الْقَوْمِ مِنْ مَزَادَتَيْهَا، وَمَلَؤُوا ظُرُوفَهُمْ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ.

[71] وَمِنْهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى مَاءٍ لَا يَرْوِي وَاحِدًا، وَالْقَوْمُ عِطَاشٌ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، وَأَمَرَ مَنْ غَرَزَهُ فِيهِ، فَفَارَ المَاءُ، وَارْتَوَى الْقَوْمُ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ أَلْفًا.

[72] وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلَيْهِ مُلُوحَةً فِي مَائِهِمْ، وَأَنَّهُمْ فِي جَهْدٍ مِنَ الظَّمَأِ لِذَلِكَ وَلِقِلَّتِهِ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بِئْرِهِمْ، فَتَفَلَ فِيهَا وَانْصَرَفَ، فَتَفَجَّرَتْ بِالمَاءِ الْعَذْبِ المَعِينِ.

[73] وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ طَلَبَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَافَاهُ سَاجِدًا، فَأَخَذَ صَخْرَةً بِوُسْعِ طَاقَتِهِ وَقُوَّتِهِ، وَأَقْبَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا اطَّرَحَهَا عَلَيْهِ أَلْزَقَهَا اللهُ بِكَفِّهِ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.

[74] وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ ﷺ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ لَيْلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ بِوَادٍ بِقُرْبِ الطَّائِفِ؛ إِذْ غَشِيَ سِدْرَةً فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَهُوَ فِي وَسَنِ النَّوْمِ، فَانْفَرَجَتِ السِّدْرَةُ لَهُ نِصْفَيْنِ، فَمَرَّ بَيْنَ نِصْفَيْهَا، وَبَقِيَتْ مُنْفَرِجَةً عَلَى حَالِهَا.

[75] وَمِنْهَا: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ بِصَبِيٍّ لَهَا فِي رَأْسِهِ سَبَخُ عَاهَةٍ، فَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ فَاسْتَوَى شَعَرُهُ وَبَرَأَ دَاؤُهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ بِذَلِكَ فَأَتَتِ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ لَهَا إِلَى مُسَيْلِمَةَ، فَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ فَتَصَلَّعَ شَعَرُهُ وَبَقِيَ الصَّلَعُ فِي نَسْلِهِ!

[76] وَمِنْهَا: أَنَّ سَيْفَ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ انْكَسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكَسَرَ سَيْفِي. فَأَخَذَ ﷺ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: «هُزَّهُ». فَهَزَّهُ، فَصَارَ سَيْفًا، فَتَقَدَّمَ وَجَالَدَ بِهِ الْكُفَّارَ، وَكَانَ لَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ.

[77] وَمِنْهَا: كِتَابُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، كَانَ قَدْ بَعَثَهُ مَعَ امْرَأَةٍ إِلَيْهِمْ، فَأَطْلَعَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ، فَأَدْرَكَاهَا، فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ قُرُونِهَا.

[78] وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا مَشَى مَعَ الطِّوَالِ طَالَهُمْ.

[79] وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ لمَّا سُمِّمَ الطَّعَامُ؛ مَاتَ الَّذِي أَكَلَهُ مَعَهُ، وَعَاشَ ﷺ بَعْدَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ.

[80] وَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَسْكَرِهِ لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ ﷺ: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَقَتَلَ نَفْسَهُ.

[81] وَمِنْهَا: أَنَّهُ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ لمَّا حَفَرُوهُ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَهَا فَصَارَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ.

[82] وَمِنْهَا: أَنَّ قَاتِلَ أَبِي رَافِعٍ -تَاجِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ- لمَّا سَقَطَ مِنْ عُلْوٍ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، فَمَسَحَ ﷺ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْكُهَا قَطُّ.

وَلَهُ ﷺ مِنَ المُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْبَاهِرَةِ مَا هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ، وَشَرَّفَ، وَكَرَّمَ.

الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِي ذِكْرِ أَزْوَاجِهِ ﷺ

[1: أُمُّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَأَوَّلُ مَنْ تَزَوَّجَ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ. وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى فَآمَنَتْ بِهِ.

وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلَانِ:

1- أَوَّلُهُمَا، وَهِيَ بِكْرٌ: عَتِيقُ بْنُ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ جَارِيَةً، ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا.

2- فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو هَالَةَ النَّبَّاشُ بْنُ زُرَارَةَ، وَقِيلَ: هِنْدُ بْنُ زُرَارَةَ التَّمِيمِيُّ. فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا وَبِنْتًا، ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا.

فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَاتَتْ عِنْدَهُ فِي التَّارِيخِ المُتَقَدِّمِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ ﷺ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ.

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَمُ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهَا وَاسْتِغْفَارٍ لَهَا، فَذَكَرَهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَاحْتَمَلَتْنِي الْغَيْرَةُ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَوَّضَكَ اللهُ مِنْ كَبِيرَةِ السِّنِّ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَسَقَطْتُ فِي جِلْدِي، وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَذْهِبْ غَضَبَ رَسُولِكَ، لَمْ أَعُدْ أَذْكُرُهَا بِسُوءٍ مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا لَقِيتُ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟! وَاللهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَآوَتْنِي إِذْ رَفَضَنِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسِ، وَرُزِقْتُ مِنْهَا الْوَلَدَ حَيْثُ حُرِمْتُمُوهُ». قَالَتْ: فَغَدَا وَرَاحَ عَلَيَّ بِهَا شَهْرًا.

وَرُوِيَ أَنَّهُ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

[2: أُمُّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

ثُمَّ تَزَوَّجَ ﷺ -بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ- سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، بِمَكَّةَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو.

وَكَبِرَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَرَادَ طَلَاقَهَا، فَوَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ([3]) وَقَالَتْ: لَا رَغْبَةَ لِي فِي الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أُحْشَرَ فِي أَزْوَاجِكَ. فَأَمْسَكَهَا، وَصَارَ يَقْسِمُ لِبَقِيَّةِ نِسَائِهِ دُونَهَا وَنَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ.

[3: أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ التَّيْمِيِّ، بِمَكَّةَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ. وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَقِيلَ: سَبْعٍ. وَبَنَى بِهَا بِالمَدِينَةِ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ ابْنَةُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً.

وَتُوُفِّيَتْ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ.

وَلَمْ يَتَزَوَّجْ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا. وَكُنْيَتُهَا أُمُّ عَبْدِ اللهِ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سُقْطًا. وَلَمْ يَثْبُتْ.

[4: أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ ﷺ حَفْصَةَ ابْنَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ صَحَابِيًّا بَدْرِيًّا تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَهَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُرَاجِعَ حَفْصَةَ؛ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لمَّا بَلَغَ عُمَرَ طَلَاقُهَا حَثَى عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَقَالَ: مَا يَعْبَأُ اللهُ بِعُمَرَ وَابْنَتِهِ بَعْدَ هَذَا. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُرَاجِعَ حَفْصَةَ رَحْمَةً لِعُمَرَ.

وَتُوُفِّيَتْ عَامَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: عَامَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ عَامَ إِفْرِيقِيَّةَ.

[5: أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ [عُبَيْدِ اللهِ أَخِي] عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَتَنَصَّرَ بِهَا، وَأَتَمَّ اللهُ لَهَا الْإِسْلَامَ.

ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ﷺ وَهِيَ بِالْحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِئَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِيهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَوَلِيَ نِكَاحَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.

تُوُفِّيَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ.

[6: أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ: عُمَرَ، وَزَيْنَبَ، فَكَانَا رَبِيبَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَكَانَ عُمَرُ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَوَلَّاهُ الْبَحْرَيْنِ، وَلَهُ عَقِبٌ بِالمَدِينَةِ.

تُوُفِّيَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَهِيَ آخِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَفَاةً، وَقِيلَ: مَيْمُونَةُ آخِرُهُنَّ.

[7: أُمُّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَطَلَّقَهَا، فَزَوَّجَهُ اللهُ إِيَّاهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهَا عَقْدٌ، وَصَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: زَوَّجَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.

وَتُوُفِّيَتْ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ.

وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ بَعْدَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى نَعْشٍ.

[8: أُمُّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَائِذِ بْنِ مَالِكِ بْنِ المُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيَّةَ، سُبِيَتْ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَكَاتَبَهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا -وَكَانَتِ امْرَأَةً مُلَّاحَةً-، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ أُؤَدِّي عَنْكِ، وَأَتَزَوَّجُكِ». فَقَبِلَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ.

وَتُوُفِّيَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ.

[9: أُمُّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بْنِ أَبِي يَحْيَى بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ النَّضْرِيَّةَ، مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، سُبِيَتْ مِنْ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَاصْطَفَاهَا ﷺ لِنَفْسِهِ، وَأَعْتَقَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.

وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

تُوُفِّيَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا آخِرُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَوْتًا.

[10: أُمُّ المُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْهُزَمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهِيَ خَالَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ.

تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَرِفَ، وَبَنَى بِهَا فِيهِ، وَمَاتَتْ فِيهِ، وَدُفِنَتْ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وَهِيَ آخِرُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَآخِرُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُنَّ، حَكَاهُ المُنْذِرِيُّ. وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ أَبِي سَبْرَةَ الْعَامِرِيِّ. تُوُفِّيَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

هَؤُلَاءِ غَيْرَ خَدِيجَةَ جُمْلَةُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ النِّسَاءِ.

[11: أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ المَسَاكِينِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالٍ، وَكَانَتْ تُسَمَّى أُمَّ المَسَاكِينِ لِكَثْرَةِ إِطْعَامِهَا المَسَاكِينَ.

وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، وَقِيلَ: الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ.

وَتَزَوَّجَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ إِلَّا يَسِيرًا؛ شَهْرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، وَمَاتَتْ عِنْدَهُ.

[فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ]

وَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الضَّحَّاكِ بَعْدَ وَفَاةِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، وَخَيَّرَهَا حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا، فَفَارَقَهَا، فَكَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَلْقُطُ الْبَعْرَ وَتَقُولُ: أَنَا الشَّقِيَّةُ، اخْتَرْتُ الدُّنْيَا.

[السَّيِّدَةُ إِسَافُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَالْوَاهِبَةُ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ]

وَتَزَوَّجَ ﷺ:

- إِسَافَ أُخْتَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ.

- وَخَوْلَةَ بِنْتَ الْهُذَيْلِ، وَقِيلَ: خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ. وَهِيَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقِيلَ: إِنَّ الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا أُمُّ شَرِيكٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا وَهَبَتَا أَنْفُسَهُمَا لَهُ ﷺ.

[أَسْمَاءُ، وَعَمْرَةُ]

وَتَزَوَّجَ أَسْمَاءَ بِنْتَ كَعْبٍ الْجَوْنِيَّةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتَ زَيْدٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي كِلَابٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْوَحِيدِ. وَطَلَّقَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِمَا.

[امْرَأَةٌ غِفَارِيَّةٌ]

وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ غِفَارٍ، فَلَمَّا نَزَعَتْ ثِيَابَهَا رَأَى بِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ».

[امْرَأَةٌ تَمِيمِيَّةٌ]

وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَمِيمِيَّةً، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ. فَقَالَ: «مَنَعَ اللهُ عَائِذَةً، الْحَقِي بِأَهْلِكِ». وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ نِسَائِهِ عَلَّمَتْهَا ذَلِكَ، وَقَالَتْ لَهَا: إِنَّكِ تَحْظَيْنَ بِهِ عِنْدَهُ!

[السَّيِّدَةُ عَالِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]

وَتَزَوَّجَ عَالِيَةَ ابْنَةَ ظَبْيَانَ، وَطَلَّقَهَا حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ.

[بِنْتُ الصَّلْتِ]

وَتَزَوَّجَ بِنْتَ الصَّلْتِ، وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا.

[مُلَيْكَةُ اللَّيْثِيَّةُ]

وَتَزَوَّجَ مُلَيْكَةَ اللَّيْثِيَّةَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ لَهَا: «هَبِي لِي نَفْسَكِ». قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟! فَسَرَّحَهَا.

[امْرَأَةٌ مِنْ مُرَّةَ]

وَخَطَبَ امْرَأَةً مِنْ مُرَّةَ، فَقَالَ أَبُوهَا: إِنَّ بِهَا بَرَصًا. وَلَمْ يَكُنْ بِهَا، فَرَجَعَ فَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ.

[امْرَأَةٌ لَمْ تَمْرَضْ]

وَخَطَبَ امْرَأَةً مِنْ أَبِيهَا، فَوَصَفَهَا لَهُ قَالَ: وَأَزِيدُكَ: إِنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ. فَقَالَ: «مَا لِهَذِهِ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَيْرٍ». فَتَرَكَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا قَالَ أَبُوهَا ذَلِكَ؛ طَلَّقَهَا، وَلَمْ يَبْنِ بِهَا.

وَذَكَرَ أَبُو سَعْدٍ فِي «شَرَفِ النُّبُوَّةِ»: أَنَّ جُمْلَةَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى وَعِشْرُونَ امْرَأَةً؛ طَلَّقَ مِنْهُنَّ سِتًّا، وَمَاتَ عِنْدَهُ خَمْسٌ، وَتُوُفِّيَ عَنْ عَشْرٍ، وَاحِدَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.

وَكَانَ يَقْسِمُ لِتِسْعٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَكَانَ صَدَاقُهُ لِنِسَائِهِ خَمْسَمِئَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ، إِلَّا صَفِيَّةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، لَمْ يُرْوَ لَهَا صَدَاقٌ غَيْرَهُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ.

الْفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ: فِي ذِكْرِ أَوْلَادِهِ ﷺ

[ذُكُورُ أَوْلَادِهِ]

وَلَدَتْ لَهُ خَدِيجَةُ:

- عَبْدَ مَنَافٍ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَفي الْإِسْلَامِ:

- الْقَاسِمَ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى.

- وَعَبْدَ اللهِ، وَيُسَمَّى الطَّيِّبَ وَالطَّاهِرَ. وَقِيلَ: الطَّيِّبُ غَيْرُ الطَّاهِرِ.

[الْإِنَاثُ]

- وزَيْنَبَ.

- وَرُقَيَّةَ.

- وَأُمَّ كُلْثُومٍ.

- وَفَاطِمَةَ.

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ وُلِدُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَهَلَكَ الْبَنُونَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُمْ يُرْضَعُونَ. وَقِيلَ: مَاتَ الْقَاسِمُ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ. وَقِيلَ: بَلَغَ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ وَيَسِيرَ عَلَى النَّجِيبَةِ.

وَأَمَّا الْبَنَاتُ؛ فَأَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ، وَآمَنَّ بِهِ، وَاتَّبَعْنَهُ، وَهَاجَرْنَ مَعَهُ. وَقِيلَ: وُلِدُوا كُلُّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا عَبْدَ اللهِ.

وَأَكْبَرُ بَنِيهِ: الْقَاسِمُ، ثُمَّ الطَّيِّبُ، ثُمَّ الطَّاهِرُ.

وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ: زَيْنَبُ، وَقِيلَ: رُقَيَّةُ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ. وَقِيلَ: فَاطِمَةُ أَصْغَرُهُنَّ.

هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ، وُلِدُوا بِمَكَّةَ.

وَوُلِدَ لَهُ بِالمَدِينَةِ مِنْ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ: إِبْرَاهِيمُ، وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ: ابْنُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

وَكُلُّ أَوْلَادِهِ مَاتُوا قَبْلَهُ، إِلَّا فَاطِمَةَ فَإِنَّهَا مَاتَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: فِي ذِكْرِ مَنْ تَزَوَّجَ بِبَنَاتِهِ

وَهُنَّ أَرْبَعٌ:

[1] زَيْنَبُ: تَزَوَّجَهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِهَا، أُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ أَشَارَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَوَاجِهَا مِنْهُ، وَكَانَ ﷺ لَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مِنْ رِجَالِ مَكَّةَ المَعْدُودِينَ فِي المَالِ وَالتِّجَارَةِ وَالْأَمَانَةِ. وَلمَّا بَادَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا بِأَمْرِ اللهِ؛ جَاؤُوا إِلَى أَبِي الْعَاصِ وَقَالُوا لَهُ: فَارِقْ صَاحِبَتَكَ، وَنَحْنُ نُزَوِّجُكَ بِأَيِّ امْرَأَةٍ شِئْتَ. فَقَالَ: لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِامْرَأَتِي أَفْضَلَ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ.

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ زَيْنَبَ وَبَيْنَ أَبِي الْعَاصِ حِينَ أَسْلَمَتْ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ مَغْلُوبًا بِمَكَّةَ، وَلمَّا أَسَرَ المُسْلِمُونَ أَبَا الْعَاصِ؛ أَرْسَلَ إِلَى زَيْنَبَ: خُذِي لِي أَمَانًا مِنْ أَبِيكِ. فَخَرَجَتْ فَأَطْلَعَتْ رَأْسَهَا مِنْ بَابِ حُجْرَتِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَمْ أَعْلَمْ بِهَذَا حَتَّى سَمِعْتُمُوهُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ».

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ.

وَوَلَدَتْ زَيْنَبُ لِأَبِي الْعَاصِ:

- عَلِيًّا: مَاتَ صَغِيرًا.

- وَأُمَامَةَ: الَّتِي حَمَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، وَعَاشَتْ حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى أُصِيبَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا المُغِيرَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ.

[2] فَاطِمَةُ: تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ:

- حَسَنًا.

- وَحُسَيْنًا.

- وَمُحَسِّنًا. فَذَهَبَ مُحَسِّنٌ صَغِيرًا.

وَوَلَدَتْ له:

- رُقَيَّةَ.

- وَزَيْنَبَ.

- وَأُمَّ كُلْثُومٍ.

فَهَلَكَتْ رُقَيَّةُ وَلَمْ تَبْلُغْ.

وَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ.

وَتَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدَ بْنَ عُمَرَ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ عَوْنُ بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ، وَخَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ جَارِيَةً وَمَاتَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، وَمَاتَتْ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ عَنْهَا.

[3] رُقَيَّةُ: تَزَوَّجَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى أَوَّلًا، ثُمَّ كُنِّيَ بِأَبِي عَمْرٍو بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِكُلٍّ كَانَ يُكْنَى. وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَتَّى بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وَآمَنَتْ رُقَيَّةُ؛ قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ: طَلِّقْهَا يَا بُنَيَّ؛ فَإِنَّهَا قَدْ صَبَتْ! فَطَلَّقَهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَقِيلَ: إِنَّ نِكَاحَ عُثْمَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَاجَرَ عُثْمَانُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهَاجَرَ بِهَا مَعَهُ.

وَتُوُفِّيَتْ رُقَيَّةُ يَوْمَ جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَشِيرًا بِفَتْحِ بَدْرٍ، وَجَاءَ وَعُثْمَانُ وَاقِفٌ عَلَى قَبْرِ رُقَيَّةَ يَدْفِنُهَا، وَكَانَ تَمْرِيضُهَا مَنَعَهُ مِنْ شُهُودِ بَدْرٍ، وَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَهْمٍ مِنْ غَنِيمَتِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ لمَّا عُزِّيَ بِابْنَتِهِ رُقَيَّةَ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ، دَفْنُ الْبَنَاتِ مِنَ المَكْرُمَاتِ».

[4] أُمُّ كُلْثُومٍ: تَزَوَّجَ بِهَا عُثْمَانُ بَعْدَ مَوْتِ أُخْتِهَا رُقَيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ أَخِي عُتْبَةَ زَوْجِ رُقَيَّةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: رَأْسِي مِنْ رُؤُوسِكُمَا حَرَامٌ إِنْ لَمْ تُطَلِّقَا ابْنَتَيْ مُحَمَّدٍ. فَطَلَّقَاهُمَا وَلَمْ يَبْنِيَا بِهِمَا. وَجَاءَ عُتَيْبَةُ حِينَ فَارَقَ أُمَّ كُلْثُومٍ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: كَفَرْتُ بِدِينِكَ، وَفَارَقْتُ ابْنَتَكَ. وَسَطَا عَلَيْهِ، وَشَقَّ قَمِيصَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ ﷺ: «أَمَا إِنِّي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكَ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ». وَكَانَ خَارِجًا إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَزَلُوا مَكَانًا مِنَ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: الزَّرْقَاءُ. لَيْلًا، فَأَطَافَ بِهِمُ الْأَسَدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَعَلَ عُتَيْبَةُ يَقُولُ: يَا وَيْلَ أُمِّهِ، فَهُوَ وَاللهِ آكِلُهُ بِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ، قَاتِلِي ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَنَا بِالشَّامِ! وَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَعِينُونَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ. فَجَمَعُوا أَحْمَالَهُمْ فَفَرَشُوا لِعُتَيْبَةَ فِي أَعْلَاهَا وَنَامُوا حَوْلَهُ، فَقِيلَ: إِنَّ الْأَسَدَ انْصَرَفَ عَنْهُمْ حَتَّى نَامُوا وَعُتَيْبَةُ فِي وَسَطِهِمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْأَسَدُ يَتَخَطَّاهُمْ وَيَتَشَمَّمُهُمْ حَتَّى أَخَذَ بِرَأْسِ عُتَيْبَةَ فَفَدَعَهُ.

وَلَمْ تَلِدْ أُمُّ كُلْثُومٍ لِعُثْمَانَ شَيْئًا، وَقِيلَ: وَلَدَتْ لَهُ فَلَمْ يَعِشْ مِنْهَا وَلَا مِنْ أُخْتِهَا لَهُ وَلَدٌ.

وَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ كَانَتْ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ؛ زَوَّجْنَاكَهَا يَا عُثْمَانُ». وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرِهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. وَقَالَ ﷺ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ أَهْلَهُ؟» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «انْزِلْ» يَعْنِي: فَوَارِهَا.

الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ ﷺ

وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعُمُومَةِ أَحَدَ عَشَرَ:

أَوْلَادُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:

الْأَوَّلُ: الْحَارِثُ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَمِنْ وَلَدِهِ وَوَلِدِ وَلَدِهِ جَمَاعَةٌ لَهُمْ صُحْبَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهُمْ:

- أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا، وَقَالَ لَهُ ﷺ: «أَبُو سُفْيَانَ سَيِّدُ فِتْيَانِ الْجَنَّةِ». وَلَمْ يُعْقِبْ.

- وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ: هَاجَرَ وَأَسْلَمَ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ، وَلَهُ عَقِبٌ.

- وَعَبْدُ شَمْسٍ: وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ، وَعَقِبُهُ بِالشَّامِ.

الثَّانِي: قُثَمُ، مَاتَ صَغِيرًا، وَهُوَ أَخُو الْحَارِثِ لِأُمِّهِ.

الثَّالِثُ: الزُّبَيْرُ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ.

- وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: شَهِدَ حُنَيْنًا، وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ، وَاسْتُشْهِدَ بِأَجْنَادِينَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ وُجِدَ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ.

- وَضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ: لَهَا صُحْبَةٌ.

- وَأُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ الزُّبَيْرِ، ورَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الرَّابِعُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَسَدُ اللهِ، وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ.

الخَامِسُ: أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ: أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ:

- الْفَضْلُ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَبِهِ كَانَ يُكْنَى.

- وَعَبْدُ اللهِ.

- وَعُبَيْدُ اللهِ.

- وَقُثَمُ.

وَلَهُمْ صُحْبَةٌ.

وَكَانَ لَهُ السِّقَايَةُ وَزَمْزَمُ، دَفَعَهما لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ.

تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِن خِلَافَةِ عُثْمَانَ بِالمَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ كُفَّ بَصَرُهُ.

السَّادِسُ: أَبُو طَالِبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللهِ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهِ، وَعَاتِكَةَ صَاحِبَةِ الرُّؤْيَا فِي بَدْرٍ، وأُمُّهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.

وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ:

- طَالِبٌ، مَاتَ كَافِرًا.

- وَعَقِيلٌ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَأُمُّ هَانِئٍ: لَهُمْ صُحْبَةٌ. وَاسْمُ أُمِّ هَانِئٍ: فَاخِتَةُ، وَقِيلَ: هِنْدُ.

- وَجُمَانَةُ، ذُكِرَتْ فِي أَوْلَادِهِ أَيْضًا.

السَّابِعُ: أَبُو لَهَبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، كَنَّاهُ أَبُوه بِذَلِكَ لِحُسْنِ وَجْهِهِ.

وَمِنْ أَوْلَادِهِ:

- عُتْبَةُ، وَمُعْتِبٌ: ثَبَتَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَدُرَّةُ، وَلَهُمْ صُحْبَةٌ.

- وَعُتَيْبَةُ: قَتَلَهُ الْأَسَدُ بِالزَّرْقَاءِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ عَلَى كُفْرِهِ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

الثَّامِنُ: عَبْدُ الْكَعْبَةِ.

التَّاسِعُ: حَجْلٌ، وَاسْمُهُ المُغِيرَةُ.

الْعَاشِرُ: ضِرَارٌ، أَخُو الْعَبَّاسِ لِأُمِّهِ.

الحَادِي عَشَرَ: الْغَيْدَاقُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ قُرَيْشٍ، وَأَكْثَرَهُمْ طَعَامًا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كَانَ وَلَدُ عَبْدِ المُطَّلِبِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَأْكُلُ جَذَعَةً.

وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعَمَّاتِ سِتٌّ:

الْأُولَى: صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَهِيَ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بِالمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهِيَ أُخْتُ حَمْزَةَ لِأُمِّهِ.

الثَّانِيَةُ: عَاتِكَةُ، قِيلَ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ. وَهِيَ صَاحِبَةُ الرُّؤْيَا فِي بَدْرٍ. وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ: عَبْدَ اللهِ أَسْلَمَ وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَزُهَيْرًا، وَقُرَيْبَةَ الْكُبْرَى.

الثَّالِثَةُ: أَرْوَى، وَكَانَتْ عِنْدَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ طُلَيْبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ شَهِيدًا، لَيْسَ لَهُ عَقِبٌ.

الرَّابِعَةُ: أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، كَانَتْ عِنْدَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا، وَأَبَا أَحْمَدَ الْأَعْمَى الشَّاعِرَ وَاسْمُهُ عَبْدٌ، وَزَيْنَبَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ، كُلُّهُمْ لَهُمْ صُحْبَةٌ، وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَنَصَّرَ وَمَاتَ بِالْحَبَشَةِ كَافِرًا.

الخَامِسَةُ: بَرَّةُ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا سَلَمَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ، وَكَانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، وتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عَبْدِ الْأَسَدِ أَبُو رُهْمِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ أَبِي رُهْمٍ.

السَّادِسَةُ: أُمُّ حَكِيمٍ، وَاسْمُهَا الْبَيْضَاءُ، وَكَانَتْ عِنْدَ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَرْوَى بِنْتَ كُرَيْزٍ وَهِيَ أُمُّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.

الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ مَوَالِيهِ ﷺ

[مَوَالِيهِ الذُّكُورُ]

وَلَهُ مِنَ الرِّجَالِ أَحَدٌ وَثَلَاثُونُ:

الْأَوَّلُ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ لِخَدِيجَةَ فَاسْتَوْهَبَهُ ﷺ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا، وَأَعْتَقَهُ.

الثَّانِي: ابْنُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

الثَّالِثُ: ثَوْبَانُ بْنُ بُجْدُدٍ، وَكَانَ لَهُ نَسَبٌ فِي الْيَمَنِ.

الرَّابِعُ: أَبُو كَبْشَةَ، مِنْ مُوَلَّدِي مَكَّةَ، وَقِيلَ: أَرْضِ دَوْسٍ. قِيلَ: اسْمُهُ سُلَيْمٌ. شَهِدَ بَدْرًا. ابْتَاعَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْتَقَهُ. تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ اسْتُخْلِفَ فِيهِ عُمَرُ.

الخَامِسُ: أَنَسَةُ([4])، مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ، اشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ.

السَّادِسُ: شُقْرَانُ، وَاسْمُهُ صَالِحٌ. قِيلَ: وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ. وَقِيلَ: اشْتَرَاهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَعْتَقَهُ.

السَّابِعُ: رَبَاحٌ، أَسْوَدُ نُوبِيٌّ، اشْتَرَاهُ مِنْ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَأَعْتَقَهُ.

الثَّامِنُ: يَسَارٌ، نُوبِيٌّ أَصَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْعُرَنِيُّونَ؛ قَطَعُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ، وَاسْتَاقُوا لِقَاحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ! وَأُدْخِلَ المَدِينَةَ مَيْتًا.

التَّاسِعُ: أَبُو رَافِعٍ، اسْمُهُ أَسْلَمُ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ. وَكَانَ عَبْدًا لِلْعَبَّاسِ، فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَعْتَقَهُ حِينَ بَشَّرَهُ بِإِسْلَامِ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَزَوَّجَهُ سَلْمَى مَوْلَاتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ كَاتِبًا لِعَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- خِلَافَتَهُ كُلَّهَا.

الْعَاشِرُ: أَبُو مُوَيْهِبَةَ، مِنْ مُوَلَّدِي مُزَيْنَةَ، اشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ.

الحَادِي عَشَرَ: فَضَالَةُ، نَزَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا.

الثَّانِي عَشَرَ: رَافِعٌ، كَانَ مَوْلًى لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَوَرِثَهُ وَلَدُهُ، فَأَعْتَقَهُ بَعْضُهُمْ وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ، فَجَاءَ رَافِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَسْعِيهِ، فَوُهِبَ لَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ.

الثَّالِثَ عَشَرَ: مِدْعَمٌ، أَسْوَدُ، وَهَبَهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ، قُتِلَ بِوَادِي الْقُرَى، أَصَابَهُ سَهْمٌ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا».

الرَّابِعَ عَشَرَ: كَرْكَرَةُ، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ نُوبِيًّا أَهْدَاهُ لَهُ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، فَأَعْتَقَهُ.

الخَامِسَ عَشَرَ: زَيْدٌ جَدُّ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ([5]).

السَّادِسَ عَشَرَ: عُبَيْدٌ.

السَّابِعَ عَشَرَ: طَهْمَانُ([6]).

الثَّامِنَ عَشَرَ: مَأْبُورٌ الْقِبْطِيُّ([7])، أَهْدَاهُ إِلَيْهِ المُقَوْقِسُ.

التَّاسِعَ عَشَرَ: وَاقِدٌ.

الْعِشْرُونَ: أَبُو وَاقِدٍ.

الحَادِي وَالْعِشْرُونَ: هِشَامٌ.

الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَبُو ضُمَيْرَةَ، كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَأَعْتَقَهُ.

الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَبُو عُبَيْدٍ.

الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حُنَيْنٌ([8]).

الخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أبو عَسِيبٍ، وَاسْمُهُ أَحْمَرُ([9]).

السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: سَفِينَةُ، كَانَ عَبْدًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَعْتَقَتْهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَ النَّبِيَّ ﷺ حَيَاتَهُ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُهُ. وَكَانَ اسْمُهُ رَبَاحًا، وَقِيلَ: مِهْرَانَ. فَسَمَّاهُ ﷺ سَفِينَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ أَعْيَا أَلْقَى عَلَيْهِ مَتَاعَهُ؛ تُرْسًا أَوْ سَيْفًا، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتَ سَفِينَةُ». وَكَانَ أَسْوَدَ، مِنْ مُوَلَّدِي الْأَعْرَابِ.

السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَبُو هِنْدٍ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ: «زَوِّجُوا أَبَا هِنْدٍ، وَتَزَوَّجُوا إِلَيْهِ». ابْتَاعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَعْتَقَهُ.

الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَادِيًا لِلْجِمَالِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ: «رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ».

التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَسَةُ([10])، وَكَانَ حَبَشِيًّا فَصِيحًا، شَهِدَ بَدْرًا، وَأَعْتَقَهُ ﷺ بِالمَدِينَةِ.

الثَّلَاثُونَ: أَبُو لُبَابَةَ، كَانَ لِبَعْضِ عَمَّاتِهِ، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَأَعْتَقَهُ.

الحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: رُوَيْفِعٌ، سَبَاهُ مِنْ هَوَازِنَ، وَأَعْتَقَهُ ﷺ.

هَؤُلَاءِ المَشْهُورُونَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ أَرْبَعُونَ.

[مَوَالِيهِ الْإِنَاثُ]

وَمِنَ الْإِمَاءِ سَبْعٌ:

الْأُولَى: سَلْمَى أُمُّ رَافِعٍ.

الثَّانِيَةُ: بَرَكَةُ أُمُّ أَيْمَنَ، وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ حَاضِنَتَهُ، وَهِيَ أُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

الثَّالِثَةُ: مَارِيَةُ.

الرَّابِعَةُ: رَيْحَانَةُ.

الخَامِسَةُ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ سَعْدٍ.

السَّادِسَةُ: خَضِرَةُ.

السَّابِعَةُ: رَضْوَى.

الْفَصْلُ الخَامِسَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ خَدَمِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ ﷺ

وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ:

[1] أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيُّ.

[2] و [3]: هِنْدُ، وَأَسْمَاءُ ابْنَا حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيَّانِ.

[4] رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ.

[5] عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ صَاحِبَ نَعْلَيْهِ؛ إِذَا قَامَ أَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا، وَإِذَا جَلَسَ خَلَعَهُمَا فِي ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَقُومَ.

[6] عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَكَانَ صَاحِبَ بَغْلَتِهِ يَقُودُ بِهِ فِي الْأَسْفَارِ.

[7] بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ المُؤَذِّنُ.

[8] سَعْدٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

[9] ذُو مِخْمَرٍ ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ، وَقِيلَ: ابْنُ أُخْتِهِ. وَيُقَالُ: ذُو مِخْبَرٍ.

[10] بُكَيْرُ بْنُ شَدَّاخٍ اللَّيْثِيُّ، وَقِيلَ: بَكْرٌ.

[11] أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ.

رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِيمَنْ كَانَ يَحْرُسُهُ فِي غَزَوَاتِهِ

وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ:

[1] سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَرَسَهُ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَامَ بِالْعَرِيشِ.

[2] ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ([11]).

[3] الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، حَرَسَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.

[4] مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ يَلِي حَرَسَهُ.

[5] عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ([12])، وَكَانَ يَلِي حَرَسَهُ.

[6] سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.

[7] أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، حَرَسَهُ بِخَيْبَرَ لَيْلَةَ بَنَى بِصَفِيَّةَ.

[8] بِلَالٌ، حَرَسَهُ بِوَادِي الْقُرَى.

وَلمَّا نَزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ تَرَكَ الْحَرَسَ.

الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ: فِي ذِكْرِ رُسُلِهِ ﷺ

وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ:

[1] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، أَرْسَلَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ -وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ، وَمَعْنَاهُ عَطِيَّةٌ-، فَأَخَذَ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ وَنَزَلَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ يُرَى النُّورُ عَلَى قَبْرِهِ.

[2] دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ -وَاسْمُهُ هِرَقْلُ-، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ؛ فَهَمَّ بِالْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ الرُّومُ، وَخَافَهُمْ عَلَى مُلْكِهِ فَأَمْسَكَ!

[3] عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى كِسْرَى مَلِكِ فَارِسَ، فَمَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ ﷺ: «مَزَّقَ اللهُ مُلْكَهُ». فَمَزَّقَ اللهُ مُلْكَهُ وَمُلْكَ قَوْمِهِ.

[4] حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى المُقَوْقِسِ مَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمِصْرَ، فَقَالَ خَيْرًا وَقَارَبَ الْأَمْرَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ، وَأُخْتَهَا سِيرِينَ، وَالْبَغْلَةَ الشَّهْبَاءَ المُسَمَّاةَ بِالدُّلْدُلِ، وَفَتًى، فَوَهَبَ سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَاسْتَوْلَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَارِيَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ.

[5] عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، بَعَثَهُ إِلَى مَلِكَيْ عُمَانَ: جَيْفَرٍ، وَعَبْدٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدِي، وَهُمَا مِنَ الْأَزْدِ، فَأَسْلَمَا وَصَدَّقَا، وَخَلَّيَا بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَالْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ.

[6] سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَامَةِ، إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، فَأَكْرَمَهُ وَنَزَّلَهُ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَأَجْمَلَهَ! وَأَنَا خَطِيبُ قَوْمِي وَشَاعِرُهُمْ؛ فَاجْعَلْ لِي بَعْضَ الْأَمْرِ. فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ، وَلَمْ يُسْلِمْ وَمَاتَ زَمَنَ الْفَتْحِ.

[7] شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ الْغَسَّانِيِّ مَلِكِ الْبَلْقَاءِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، قَالَ شُجَاعٌ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، فَقَرَأَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَالَ: أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ. وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنَعَهُ قَيْصَرُ.

[8] المُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى الْحَارِثِ الْحِمْيَرِيِّ أَحَدِ مَقَاوِلَةِ الْيَمَنِ.

[9] الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، بَعَثَهُ إِلَى المُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ وَصَدَّقَ.

[10] أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ.

[11] مُعَاذٌ، بَعَثَهُ مَعَ أَبِي مُوسَى، وَكَانَا جَمِيعًا فِي جُمْلَةِ الْيَمَنِ دَاعِيَيْنِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ عَامَّةُ أَهْلِ الْيَمَنِ مُلُوكُهُمْ وَعَامَّتُهُمْ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.

الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي كُتَّابِهِ ﷺ

وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ:

[1] أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

[2] عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.

[3] عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.

[4] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

[5] عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.

[6] عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأَرْقَمِ.

[7] أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

[8] ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.

[9] خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.

[10] حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيُّ.

[11] زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.

[12] مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.

[13] شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ.

وَكَانَ مُعَاوِيَةُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَلْزَمَهُمْ لِذَلِكَ وَأَخَصَّهُمْ بِهِ.

الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي رُفَقَائِهِ النُّجَبَاءِ

وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ:

[1] أَبُو بَكْرٍ.

[2] عُمَرُ.

[3] عَلِيٌّ.

[4] حَمْزَةُ.

[5] جَعْفَرٌ.

[6] أَبُو ذَرٍّ.

[7] الْمِقْدَادُ.

[8] سَلْمَانُ.

[9] حُذَيْفَةُ.

[10] ابْنُ مَسْعُودٍ.

[11] عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ.

[12] بِلَالٌ.

وَكَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَاصِمُ بْنُ [ثَابِتِ بْنِ] أَبِي الْأَقْلَحِ، وَالْمِقْدَادُ، يَضْرِبُونَ الْأَعْنَاقَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: فِي دَوَابِّهِ

[أَفْرَاسُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ ﷺ عَشْرَةُ أَفْرَاسٍ:

[1] السَّكْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ فَرَسٍ مَلَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَوَّلُ فَرَسٍ غَزَا عَلَيْهِ، اشْتَرَاهُ مِنْ أَعْرَابِيٍّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، وَكَانَ تَحْتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ اسْمُهُ عِنْدَ الْأَعْرَابِيِّ الضَّرِسَ، فَسَمَّاهُ ﷺ السَّكْبَ، وَكَانَ أَغَرَّ مُحَجَّلًا طَلِقَ الْيَمِينِ.

[2] المُرْتَجِزُ، اشْتَرَاهُ مِنْ أَعْرَابِيٍّ مِنْ بَنِي مُرَّةَ، وَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: كَيْفَ تَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ تَحْضُرْ؟! فَقَالَ: نُصَدِّقُكَ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ، وَلَا نُصَدِّقُكَ فِي مَا فِي الْأَرْضِ؟!! فَسَمَّاهُ ﷺ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ.

[3] لِزَازٌ، أَهْدَاهُ لَهُ المُقَوْقِسُ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ وَيَرْكَبُهُ فِي أَكْثَرِ غَزَوَاتِهِ.

[4] اللُّخَيْفُ، أَهْدَاهُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْبَرَاءِ، فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ فَرَائِضَ مِنْ نَعَمِ بَنِي كِلَابٍ.

[5] الظَّرِبُ([13])، أَهْدَاهُ لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ.

[6] الْوَرْدُ، أَهْدَاهُ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

[7] الضِّرْمِزُ.

[8] مُلَاوِحٌ، وَكَانَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ.

[9] سَبْحَةُ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ سَابِقًا، فَسَبَحَ عَلَيْهِ؛ فَسُمِّيَ سَبْحَةَ.

[10] الْبَحْرُ، اشْتَرَاهُ مِنْ تُجَّارٍ قَدِمُوا مِنَ الْيَمَنِ، فَسَبَقَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَمَسَحَ ﷺ وَجْهَهُ وَقَالَ: «مَا أَنْتَ إِلَّا بَحْرٌ».

[بِغَالُ النَّبِيِّ ﷺ]

- وَكَانَ لَهُ ﷺ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ يُقَالُ لَهَا: الدُّلْدُلُ. يَرْكَبُهَا فِي المَدِينَةِ، أَهْدَاهَا لَهُ المُقَوْقِسُ مَلِكُ مِصْرَ، وَهِيَ أَوَّلُ بَغْلَةٍ رُكِبَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَاشَتْ بَعْدَهُ حَتَّى كَبِرَتْ وَزَالَتْ أَضْرَاسُهَا، وَكَانَ يُجَشُّ لَهَا الشَّعِيرُ، وَبَقِيَتْ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَتْ بَيَنْبُعَ.

- وَكَانَتْ لَهُ بَغْلَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ. وَهَبَهَا لِأَبِي بَكْرٍ.

- وَبَغْلَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُبُلِّيَّةُ. أَهْدَاهَا لَهُ مَلِكُ الْأُبُلَّةِ.

[حِمَارُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يُقَالُ لَهُ: يَعْفُورٌ، وَعُفَيْرٌ. مَاتَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

الْفَصْلُ الحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ نَعَمِهِ ﷺ

وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ اقْتَنَى مِنَ الْبَقَرِ شَيْئًا.

وَكَانَتْ لَهُ عِشْرُونَ لِقْحَةً بِالْغَابَةِ، يُرَاحُ لَهُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِقِرْبَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ اللَّبَنِ، وَكَانَ فِيهَا لِقَاحٌ غَزِرَةٌ: الْحَنَّاءُ، وَالسَّمْرَاءُ، وَالْعُرَيِّسُ، وَالسَّعْدِيَّةُ، وَالْبَغُومُ، وَالتُّسَبْرَةُ، وَالزَّبَّاءُ([14]).

وَكَانَتْ لَهُ لِقْحَةٌ تُدْعَى بُرْدَةَ، أَهْدَاهَا لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ، كَانَتْ تُحْلَبُ كَمَا تُحْلَبُ لِقْحَتَانِ غَزِيرَتَانِ.

وَكَانَتْ لَهُ مُهْرَةٌ أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مِنْ نَعَمِ بَنِي عَقِيلٍ.

وَكَانَتْ لَهُ الْقَصْوَاءُ، ابْتَاعَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَأُخْرَى مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ بِثَمَانِمِئَةِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ الَّتِي هَاجَرَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ إِذْ ذَاكَ رَبَاعِيَّةً، وَكَانَ لَا يَحْمِلُهُ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ غَيْرُهَا، وَهِيَ الْعَضْبَاءُ، وَالْجَدْعَاءُ، وَإِنْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ المُسَمَّى بِتَعَدُّدِ الِاسْمِ. وَهِيَ الَّتِي سُبِقَتْ، فَشَقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ مِنْ قَدَرِ اللهِ تَعَالَى: أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ إِلَّا وَضَعَهُ». وَقِيلَ: المَسْبُوقَةُ الْعَضْبَاءُ، وَهِيَ غَيْرُ الْقَصْوَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمْ تُسَمَّ بِذَلِكَ لِشَيْءٍ أَصَابَهَا. وَقِيلَ: كَانَ بِأُذُنِهَا شَيْءٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ.

وَكَانَ لَهُ ﷺ مِئَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مَنَايِحَ: عَجْوَةُ، وَزَمْزَمُ، وَسُقْيَا، وَبَرَكَةُ، وَوَرِسَةُ، وَإِطْلَالُ، وَإِطْرَافُ. وَكَانَتْ تَرْعَاهُنَّ أُمُّ أَيْمَنَ.

وَكَانَ لَهُ شَاةٌ يُخْتَصُّ بِشُرْبِ لَبَنِهَا تُدْعَى غَيْثَةَ.

وَكَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ، ذَكَرَهُ أَبُو سَعْدٍ.

الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ سِلَاحِهِ ﷺ

[رِمَاحُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَرْمَاحٍ، ثَلَاثَةٌ أَصَابَهَا مِنْ سِلَاحٍ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَوَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ: المُتَثَنِّي.

[عَنَزَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ عَنَزَةٌ؛ وَهِيَ حَرْبَةٌ دُونَ الرُّمْحِ، كَانَ يَمْشِي بِهَا فِي يَدِهِ، وَتُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْعِيدَيْنِ حَتَّى تُرْكَزَ أَمَامَهُ، فَيَتَّخِذَهَا سُتْرَةً يُصَلِّي إِلَيْهَا.

[مِحْجَنُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ مِحْجَنٌ قَدْرَ الذِّرَاعِ أَوْ نَحْوَهُ، يَتَنَاوَلُ بِهِ الشَّيْءَ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَلَمَ بِهِ الرُّكْنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.

[مِخْصَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ مِخْصَرَةٌ تُسَمَّى الْعُرْجُونَ، وَقَضِيبٌ يُسَمَّى المَمْشُوقَ.

[قِسِيُّ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ قِسِيٍّ: قَوْسٌ مِنْ شَوْحَطٍ يُدْعَى الرَّوْحَاءَ، وَآخَرُ مِنْ شَوْحَطٍ يُدْعَى الْبَيْضَاءَ، وَآخَرُ مِنْ نَبْعٍ يُدْعَى الصَّفْرَاءَ، وَقَوْسٌ يُدْعَى الْكَتُومَ وَكُسِرَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.

[جَعْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ جَعْبَةٌ تُدْعَى الْكَافُورَ.

[تُرْسُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ عَلَيْهِ تِمْثَالُ عُقَابٍ، أُهْدِيَ لَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَأَذْهَبَهُ اللهُ تَعَالَى.

[أَسْيَافُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ: ذُو الْفَقَارِ، تَنَفَّلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا، فَإِنَّهُ ﷺ رَأَى فِي ذُبَابِ سَيْفِهِ ثُلْمَةً، فَأَوَّلَهَا هَزِيمَةً، فَكَانَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَانَ قَبْلَهُ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ. وَثَلَاثَةُ أَسْيَافٍ أَصَابَهَا مِنْ سِلَاحِ بَنِي قَيْنُقَاعَ؛ سَيْفٌ قَلْعِيٌّ، وَسَيْفٌ يُدْعَى الْبَتَّارَ، وَسَيْفٌ يُدْعَى الْحَتْفَ، وَسَيْفٌ يُدْعَى الْمِخْذَمَ، وَآخَرُ يُدْعَى الرَّسُوبَ، وَآخَرُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْعَضْبُ. أَعْطَاهُ إِيَّاهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَآخَرُ يُدْعَى الْقَضِيبَ وَهُوَ أَوَّلُ سَيْفٍ تَقَلَّدَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِضَّةً، وَقَبِيعَتُهُ فِضَّةً، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حِلَقُ الْفِضَّةِ.

[دِرْعَا النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ دِرْعَانِ أَصَابَهُمَا مِنْ سِلَاحِ بَنِي قَيْنُقَاعَ؛ دِرْعٌ يُقَالُ لَهُ: السَّعْدِيَّةُ. وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ.

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَيْنِ: دِرْعَهُ ذَاتَ الْفُضُولِ، وَدِرْعَهُ فِضَّةَ. وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ دِرْعَيْنِ؛ ذَاتَ الْفُضُولِ، وَالسَّعْدِيَّةَ.

وَيُقَالُ: كَانَتْ عِنْدَهُ دِرْعُ دَاوُدَ ﷺ الَّتِي لَبِسَهَا لمَّا قَتَلَ جَالُوتَ.

[مِغْفَرُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ مِغْفَرٌ يُقَالُ لَهَا: السُّبُوغُ. وَمِنْطَقَةٌ مِنْ أَدِيمٍ مَبْشُورٍ فِيهَا ثَلَاثُ حِلَقٍ مِنْ فِضَّةٍ وَالْإِبْزِيمُ مِنْ فِضَّةٍ وَالطَّرَفُ مِنْ فِضَّةٍ.

[رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ مُخْمَلَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ. وَكَانَ لِوَاءُهُ أَبْيَضَ، وَرُبَّمَا جَعَلَ الْأَلْوِيَةَ مِنْ خُمُرِ نِسَائِهِ ﷺ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ أَثْوَابِهِ وَأَثَاثِهِ ﷺ

[الثِّيَابُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ]

وَتَرَكَ ﷺ يَوْمَ مَاتَ ثَوْبَيْ حِبَرَةٍ، وَإِزَارًا عُمَانِيًّا، وَثَوْبَيْنِ صُحَارِيَّيْنِ، وَقَمِيصًا صُحَارِيًّا، وَقَمِيصًا سَحُولِيًّا، وَجُبَّةً يَمَنِيَّةً، وَخَمِيصَةً، وَكِسَاءً أَبْيَضَ، وَقَلَانِسَ صِغَارًا لَاطِئَةً؛ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَإِزَارًا طُولُهُ خَمْسَةُ أَشْبَارٍ، وَمِلْحَفَةً مُوَرَّسَةً.

[رَبْعَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَمُشْتَمَلَاتُهَا]

وَكَانَ لَهُ رَبْعَةٌ فِيهَا مِرْآةٌ، وَمُشْطُ عَاجٍ، وَمُكْحُلَةٌ، وَمِقْرَاضٌ، وَسِوَاكٌ.

[فِرَاشُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَوَانِيهِ]

وَكَانَ لَهُ فِرَاشٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ مُضَبَّبٌ بِثَلَاثِ ضَبَّاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: مِنْ حَدِيدٍ. وَفِيهِ حَلْقَةٌ يُعَلَّقُ بِهَا، أَكْبَرُ مِنْ نِصْفِ المُدِّ، وَأَصْغَرُ مِنَ المُدِّ. وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ آخَرُ يُدْعَى الرَّيَّانَ، وَتَوْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ يُدْعَى الْمِخْضَبَ، وَمِخْضَبٌ مِنْ شَبَةٍ يَكُونُ فِيهِ الْحِنَّاءُ وَالْكَتْمُ، يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا وَجَدَ فِيهِ حَرًّا. وَقَدَحٌ مِنْ زُجَاجٍ، وَمُغْتَسَلٌ مِنْ صُفْرٍ، وَقَصْعَةٌ، وَصَاعٌ يُخْرِجُ بِهِ فِطْرَتَهُ، وَمُدٌّ، وَكَانَ لَهُ سَرِيرٌ وَقَطِيفَةٌ.

[خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَصُّهُ مِنْهُ، نَقْشُهُ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ بِفِضَّةٍ.

وَأَهْدَى لَهُ النَّجَاشِيُّ خُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا.

[كِسَاؤُهُ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ كِسَاءٌ أَسْوَدُ، كَسَاهُ فِي حَيَاتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا فَعَلَ كِسَاؤُكَ؟ قَالَ: «كَسَوْتُهُ». قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ بَيَاضِكَ فِي سَوَادِهِ.

[عِمَامَةُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ عِمَامَةٌ يَعْتَمُّ بِهَا يُقَالُ لَهَا: السَّحَابُ. فَكَسَاهَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَرُبَّمَا طَلَعَ عَلِيٌّ فِيهَا، فَيَقُولُ: «أَتَاكُمْ عَلِيٌّ فِي السَّحَابِ».

[مَا لَبِسَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ]

وَكَانَ لَهُ ثَوْبَانِ لِلْجُمُعَةِ غَيْرَ ثِيَابِهِ الَّتِي يَلْبَسُهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ.

[مِنْدِيلُ النَّبِيِّ ﷺ]

وَكَانَ لَهُ مِنْدِيلٌ يَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ مِنَ الْوَضُوءِ، وَرُبَّمَا مَسَحَهُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ وَفَاتِهِ ﷺ

[تَارِيخُ وَفَاتِهِ ﷺ]

وَتُوُفِّيَ ﷺ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سِتِّينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِد نَبِيُّكُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ المَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

[تَارِيخُ دَفْنِهِ ﷺ]

وَدُفِنَ ﷺ لَيْلَةَ الْأَرْبَعَاءِ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ.

[مُدَّةُ مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ]

وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَكَانَ مَرَضُهُ بِالصُّدَاعِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَرَضَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ كَالنَّعْيِ لَهُ ﷺ.

[وَصِيَّتُهُ ﷺ لِصَحَابَتِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ]

فَخَرَجَ ﷺ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَدْ شَدَّ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ، وَكَانَ قَدْ لَبِسَ عِمَامَةً دَسْمَاءَ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ مُصْفَرَّ الْوَجْهِ، ثُمَّ دَعَا بِلَالًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ: أَنِ اجْتَمِعُوا لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّهَا آخِرُ وَصِيَّتِهِ لَكُمْ. فَنَادَى بِلَالٌ، فَاجْتَمَعُوا صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَتَرَكُوا أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ مُفَتَّحَةً وَأَسْوَاقَهُمْ عَلَى حَالِهَا، حَتَّى خَرَجَ الْعَذَارَى مِنَ الْبُيُوتِ لِيَسْمَعُوا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى غَصَّ المَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَوْسِعُوا لِمَنْ وَرَاءَكُمْ»، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَاشْتَدَّ بِهِ المَرَضُ، وَلَمْ يَخْرُجْ لِخُطْبَةٍ بَعْدَهَا.

[حَضَرَهُ ﷺ المَوْتُ]

وَلمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ كَانَ عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ المَوْتِ».

[بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ]

وَلمَّا مَاتَ اقْتَحَمَ النَّاسُ حِينَ سَمِعُوا الرَّنَّةَ، وَسُجِّيَ ﷺ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ سَجَّتْهُ.

[حَالُ الصَّحَابَةِ حِينَ عَلِمُوا بِمَوْتِهِ ﷺ]

- فَكَذَّبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِمَوْتِهِ دَهْشَةً، مِنْهُمْ عُمَرُ.

- وَأُخْرِسَ بَعْضُهُمْ فَمَا تَكَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ الْغَدِ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ.

- وَأُقْعِدَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ.

- وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْعَبَّاسِ، وَأَبِي بَكْرٍ.

رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

[غُسْلُهُ ﷺ]

ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ سَمِعُوا مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ حِينَ ذَكَرُوا غُسْلَهُ: (لَا تَغْسِلُوهُ؛ فِإِنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ). ثُمَّ سَمِعُوا صَوْتًا بَعْدَهُ: (اغْسِلُوهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِبْلِيسُ، وَأَنَا الْخَضِرُ). وَعَزَّاهُمْ فَقَالَ: (إِنَّ فِي اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ؛ فَبِاللهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا؛ فَإِنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ).

وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِهِ، فَقَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُهُ عَنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُغَسِّلُ مَوْتَانَا، أَمْ نُغَسِّلُهُ فِي ثِيَابِهِ؟ فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَاضِعٌ لِحْيَتَهُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ: اغْسِلُوهُ فِي ثِيَابِهِ. فَانْتَبَهُوا، وَغَسَّلُوهُ فِي قَمِيصِهِ، وَكَانُوا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْقَلِبَ لَهُ عُضْوٌ إِلَّا انْقَلَبَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّ مَعَهُمْ لَخَفِيفًا كَالرِّيحِ يُصَوِّتُ بِهِمْ: ارْفُقُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّكُمْ سَتُكْفَوْنَ.

وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى غُسْلَهُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَقُثَمُ أَبْنَاءُ الْعَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَشُقْرَانُ مَوْلَيَاهُ، وَحَضَرَهُمْ أَوْسُ بْنُ خَوَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، وَنَفَضَهُ عَلِيٌّ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، لَقَدْ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا.

[كَفَنُهُ ﷺ]

وَكُفِّنَ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ -مِنْ ثِيَابِ سَحُولٍ؛ بَلْدَةٍ بِالْيَمَنِ-، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، بَلْ لَفَائِفُ مِنْ غَيْرِ خِيَاطَةٍ. وَكَانَ فِي حَنُوطِهِ الْمِسْكُ أَبْقَى مِنْهُ عَلِيٌّ شَيْئًا لِحَنُوطِهِ إِذَا مَاتَ.

[الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ]

وَصَلَّى عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ أَفْذَاذًا، لَمْ يَؤُمَّهُمْ أَحَدٌ، فَقِيلَ: فُعِلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَصْلًا لَا تَابِعًا لِأَحَدٍ. وَقِيلَ: لِيَطُولَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَيَلْحَقَ مَنْ يَأْتِي مِنْ حَوْلِ المَدِينَةِ.

[قَبْرُهُ ﷺ]

وَفُرِشَ تَحْتَهُ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ كَانَ يَتَغَطَّى بِهَا، نَزَلَ بِهَا شُقْرَانُ.

وَدَخَلَ قَبْرَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ وَشُقْرَانُ، وَقِيلَ: أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ.

[مَكَانُ الدَّفْنِ]

وَقِيلَ: إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ الدَّفْنِ؛ فَقِيلَ: فِي مُصَلَّاهُ. وَقِيلَ: بِالْبَقِيعِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا فِي المَكَانِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ». فَدُفِنَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَوْلَ فِرَاشِهِ، وَحُفِرَ لَهُ، وَلُحِدَ، وَأُطْبِقَ عَلَيْهِ تِسْعُ لَبِنَاتٍ، وَقِيلَ: اخْتَلَفُوا أَيُلْحَدُ لَهُ أَمْ لَا؟ وَكَانَ بِالمَدِينَةِ حَفَّارَانِ؛ أَحَدُهُمَا يُلْحِدُ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ، وَالْآخَرُ يَضْرَحُ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمَا أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي يُلْحِدُ فَلَحَدَ لَهُ ﷺ وَدُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ.

[دَفْنُ الشَّيْخَيْنِ مَعَهُ ﷺ]

وَدُفِنَ مَعَهُ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

[الخَاتِمَةُ]

وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَمَجَّدَ وَعَظَّمَ، وَبَارَكَ وَأَنْعَمَ، وَتَعَطَّفَ وَتَحَنَّنَ وَتَرَحَّمَ، وَأَعَادَ مِنْ بَرَكَاتِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ، وَأَنَالَنَا مِنْ شَفَاعَتِهِ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِ؛ إِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

وَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَالمُهَاجِرِينَ وَالتَّابِعِينَ .. آمِينَ.

 



([1]) في النُّسختَينِ الخطِّيَّتينِ: «دجناء»، بالجيمِ والمدِّ. ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه.

([2]) في نسخة: حاشية: (وَالْبَشِيرُ، وَالمُبَشِّرُ، وَالشَّاهِدُ، وَالشَّهِيدُ، وَالْحَقُّ المُبِينُ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَالرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَالْأَمِينُ، وَقَدَمُ الصِّدْقِ، وَرَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَنِعْمَةُ اللهِ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَالنَّجْمُ الثَّاقِبُ، وَالْكَرِيمُ، وَالنَّبِيُّ الْأُمِّيُّ، وَدَاعِي إِلَى اللهِ، وَالمُصْطَفَى، وَالمُجْتَبَى، وَالْحَبِيبُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالشَّفِيعُ المُشَفَّعُ، وَالتَّقِيُّ، وَالمُصْلِحُ، وَالظَّاهِرُ، وَالمُهَيْمِنُ، وَالصَّادِقُ، وَالمُصَدِّقُ، وَالْهَادِي، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَسَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، وَقَائِدُ الْغُرِّ المُحَجَّلِينَ، وَحَبِيبُ اللهِ، وَخَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَصَاحِبُ الْحَوْضِ المَوْرُودِ وَالشَّفَاعَةِ وَالمَقَامِ المَحْمُودِ، وَصَاحِبُ الْوَسِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَصَاحِبُ التَّاجِ وَالْمِعْرَاجِ وَاللِّوَاءِ وَالْقَضِيبِ، وَرَاكِبُ الْبُرَاقِ وَالنَّاقَةِ وَالنَّجِيبِ، وَصَاحِبُ الْحُجَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْخَاتَمِ وَالْعَلَامَةِ وَالْبُرْهَانِ). اهـ. منه.

([3]) في الأصلِ: (مِن عائشةَ).

([4]) في الأصل: (أنيسة). ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع ترجمتَه في «الإصابة» رقم 287.

([5]) في الأصلِ: (زيدٌ جَدُّ هِلَالِ بنِ نسافِ بنِ زيدٍ). ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع «البداية والنِّهاية» 8/260، وراجِع ترجمتَه في «الإصابة» رقم 2893.

([6]) في الأصلِ: (المهمان). ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع «البداية والنِّهاية» 8/267.

([7]) في الأصلِ: (مأثور)، بالثَّاءِ المُثلَّثةِ. ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع «البداية والنِّهاية» 8/270، وراجِع ترجمتَه في «الإصابة» رقم 7616.

([8]) في الأصلِ: (جنين)، بالجيمِ بدلَ الحاءِ المُهمَلةِ. ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع: «البداية والنِّهاية» 8/258، و«الإصابة» رقم 1882.

([9]) في الأصلِ: (عسيب واسمه أحمر). ولعلَّ الصَّوابَ ما أَثبتُّه. راجِع: «البداية والنِّهاية» 8/277، و«الإصابة» رقم 46 ورقم 10330.

([10]) مَرَّ ذِكرُه رقم 5. وفي الأصلِ: (أنيسة).

([11]) في الأصلِ: (ذكوان بن عبد الله بن قيس). والتَّصويبُ مِن «الإصابة» رقم 2445.

([12]) في الأصلِ: (عباد بن بشير). والتَّصويبُ من «الإصابة» رقم 4476.

([13]) في الأصلِ: (الظرق). والصَّوابُ ما أَثبتُّه.

([14]) كذا بالأصلِ. وراجِع: «كتاب الطَّبقات الكبير» لابنِ سعدٍ 1/425.